لو استمر أوباما على النهج الذي يتبعه حاليا، فإنه يفتح الباب على مصراعيه لعودة اليمين الأمريكي للسيطرة على مقاليد الأمور بالكامل، وربما بشكل أكثر قسوة وتطرفا مما كان عليه الحال من قبل. فهو بأدائه هذا، خصوصا بعد انتخابات الكونغرس الأخيرة، يضخ أوكسجين الحياة في رؤى الحزب الجمهوري وتوجهاته بعد أن رفضها الأميركيون.
فانتخابات 2008 الرئاسية، كانت بمثابة صحيفة إدانة لرؤى وتوجهات اليمين. فهي مثلت إدانة للحروب الاستباقية والأحادية، وغطرسة القوة في السياسة الخارجية. والوضع الاقتصادي البائس الذي جرت الانتخابات في سياقه، كان أيضا نتيجة واضحة للسياسات الكارثية التي اتبعها اليمين والتي بدأت منذ عهد ريغان مرورا حتى بكلينتون الديمقراطي ووصولا لبوش الابن.
وبسبب كل تلك الكوارث الداخلية والخارجية، تنامت حركة واسعة كانت موجودة في الواقع قبل انتخابات 2008، ولكنها اختارت في تلك الانتخابات أن تدعم أوباما فوقفت وراءه وحملته حملا للبيت الأبيض.
وحين تولى الرئاسة امتلك أوباما مجموعة من الأوراق، التي عادة ما تمكن واحدة أو اثنتان منها فقط، أي رئيس أميركي من أن يحدث تحولات كبرى. فهو جاء للحكم وسط كارثة اقتصادية، في وقت تحتل فيه بلاده بلدين كبيرين، وتعاني من علاقات متوترة مع الأصدقاء قبل الأعداء.
وهو جاء للرئاسة محمولا بزخم شعبي هائل، وأغلبية مريحة لحزبه في الكونغرس بمجلسيه، فضلا عن أغلبية شعبية واضحة تتوق للتغيير. كل ذلك كان يسمح لأوباما بأن يحكم كزعيم سياسي يعلو فوق الأحزاب وصراعاتها، ويتبنى سياسات جريئة تتناسب مع فداحة الأزمات، مثلما فعل روزفلت في الثلاثينات أو حتى ريغان في الثمانينات.
لكن ما حدث كان مفاجأة لأنصار أوباما. فبدلا من أن يفعل أيا من ذلك، إذا به يحيط نفسه بفريق عمل من الوجوه التقليدية التي عملت مع كلينتون، وبدلا من أن يتبنى سياسات جريئة تتناسب مع التفويض الشعبي الواسع، إذا به يحكم وكأنه فاز بأغلبية ضئيلة تستلزم البدء من نقطة وسط للتوفيق مع خصومه الجمهوريين. غير أن الجمهوريين كانوا قد أعدوا العدة منذ اللحظة الأولى، لهزيمة أوباما وحرمانه من أي إنجاز.
فهم ناصبوه العداء بالمطلق ورفضوا التوفيق معه، فاضطر هو لتقديم سلسلة من التنازلات المكلفة، بل وعقد صفقات مع أعتى جماعات المصالح لتمرير أجندته.
وقد دفع أوباما ثمنا باهظا لتلك الاستراتيجية البائسة، فهي أحبطت أنصاره بينما لم تلطف مطلقا من موقف خصومه تجاهه. باختصار؛ خسر أوباما أنصاره بتخليه عنهم، ولم يكسب اليمين.
ومن هنا، توارت حركة أوباما وبرزت حركة أخرى، يمينية هذه المرة، هي حركة حفل الشاي. وكانت النتيجة هي انتخابات تشريعية خسر فيها حزب أوباما الأغلبية في مجلس النواب، واحتفظ بأغلبية أضعف في مجلس الشيوخ. وكانت تلك النتيجة نابعة من حالة الإحباط التي عمت في أوساط الديمقراطيين عموما، وأولئك الذين عملوا بكل طاقتهم لانتخاب أوباما تحديدا.
فقد انحسرت بشدة في انتخابات الكونغرس نسبة تصويت من جاؤوا بأوباما للحكم من الشباب والأقليات، بينما خسر نصف أصوات المرأة وهجرته أصوات المستقلين. بعبارة أخرى؛ أحجم أنصار أوباما عن التصويت أو هجروه، فحسمت أصوات اليمين المعركة لصالح خصومه. والانتخابات لم تقدم دليلا واحدا على أن الناخبين وافقوا على برنامج الجمهوريين، بينما قدمت ما يؤكد أنهم رفضوا أداء الديمقراطيين.
معنى ذلك كله، أن قراءة نتائج الانتخابات الأخيرة قراءة دقيقة، تقدم لنا عنوانا مهما مؤداه أن أزمة أوباما الحقيقية جوهرها تخليه عن مناصريه. لكن مرة أخرى، اختار أوباما بعد الانتخابات أن يستكمل الخط نفسه.
وبدلا من أن يعيد النظر في تجاهله لأنصاره وقاعدة حزبه الأساسية، إذا به يدخل في مفاوضات مع الجمهوريين أدت للاتفاق على مد العمل لمدة عامين بالخفض الضريبي الهائل الذي كان قد صدر في عهد بوش، بما في ذلك الخفض الضريبي الذي تتمتع به الشريحة الأعلى من الأغنياء.
وهو الخفض الضريبي الذي عارضه أوباما بشدة في حملته الانتخابية للرئاسة، وتعهد بعدم مده لتأثيره الكارثي في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية. ليس ذلك فقط، بل هاجم أوباما أنصاره حين عارضوا مد الخفض الضريبي، بدلا من أن يحاول احتواءهم.
أكثر من ذلك، صارت إدارة أوباما تتحدث عن بقاء احتلالها لأفغانستان إلى عام 2014 على الأقل، وتصف التاريخ الذي كانت قد حددته لنفسها قبل ذلك للانسحاب ـ أي 2011 ـ بأنه غير قابل للتنفيذ.
ويبدو أن أوباما في اتباعه ذلك النهج، يتبنى قراءة أخرى للانتخابات التشريعية يوعز له بها مستشاروه، مؤداها أن عليه حتى يعاد انتخابه أن ينجرف مزيدا نحو اليمين، تماما كما فعل كلينتون بعد أن مني حزبه بهزيمة مماثلة في انتخابات 1994 التشريعية، وتبشره تلك القراءة بأن كلينتون حين فعل ذلك أعيد انتخابه في 1996 بسهولة.
لكن الحقيقة أن السياق جد مختلف. فالسياسات اليمينية التي تبناها كلينتون، وبعده بوش، هي المسؤولة عن الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يواجهه أوباما اليوم. ثم إن كلينتون فاز بأغلبية ضئيلة في انتخابات 1992 فرضت عليه التوفيق مع خصومه، بينما فاز أوباما بأغلبية مريحة كانت تسمح له بحرية حركة أكبر.
لكن خطورة النهج الذي يتبعه أوباما، تكمن في أنه يزيد من إحباط أنصاره الذين من المنتظر أن يتخلوا عنه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهناك دعوات بالفعل لتأييد مرشح ديمقراطي غيره.
غير أن الأخطر من ذلك، هو أن أوباما بانحنائه للجمهوريين يضفي الشرعية على رؤاهم الفكرية والسياسية، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديها في أية انتخابات رئاسية، سواء من جانب أوباما أو غيره من الديمقراطيين، خصوصا إذا ما عجز الرئيس الديمقراطي الحالي عن تحقيق إنجازات كبرى، وفق رؤى حزبه لا رؤى خصومه.
كاتبة مصرية
