الكلمة التي القتها وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون امس اثر محادثات مع مسؤولين فلسطينيين واسرائيليين في واشنطن والتي تضمنت اعترافا اميركيا واضحا بالفشل في دفع جهود السلام، وتأكيدها ان العالم لا يستطيع فرض حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وتركيزها على ما اسمته المخاوف الامنية الاسرائيلية " وبتشديدها مجددا على المفاوضات الثنائية معتبرة انها الطريق الوحيد للحل رغم فشل هذه المفاوضات على مدى سبعة عشر عاما منذ اتفاقيات اوسلو، واتهامها كل من يحاول اللجوء للشرعية الدولية بمحاولة نسف المفاوضات، هذه الكلمة وما تضمنته من مواقف تثير الاستغراب وتطرح تساؤلات كثيرة ليس فقط حول الدور الاميركي في عملية السلام بل وحول الاسباب الكامنة وراء رفض الولايات المتحدة الشرعية الدولية وقراراتها الخاصة بفلسطين.

التساؤل الاول الذي تثيره هذه التصريحات هو : لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة والعالم فرض حل للصراع يستند الى الشرعية الدولية وقراراتها ؟

ألا يدور الحديث عن احتلال غير مشروع وعن استيطان غير مشروع واستفزازي على حد تعبير الوزيرة الاميركية نفسها؟ وعندما تنتهك دولة من دول العالم القانون الدولي بهذا الشكل الفظ على مدى عقود وتضرب عرض الحائط الشرعية الدولية وتصادر حق شعب باكمله في الحرية والاستقلال كما تفعل اسرائيل، ليس جديرا بالعالم اجمع ليس فقط ان يدينها بل وان يسارع الى فرض ارادته وقراراته الشرعية لردع هذه الدولة وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني؟ ولماذ تريدنا وزيرة الخارجية الاميركية ان نقتنع ان العالم لا يستطيع فرض الشرعية الدولية في الوقت الذي سارعت فيه الولايات المتحدة لتجنيد الشرعية الدولية وفرضها بالقوة في حرب الخليج الاولى؟

ثم الى محاولة تجنيد هذه الشرعية مجددا لفرض ارادتها في حربي العراق وافغانستان؟ ثم الم يتدخل العالم اجمع ويفرض حلا في يوغوسلافيا" السابقة؟ والتساؤل الاخر يكمن في ان الوزيرة الاميركية تحدثت عن التزامات جانبين - فلسطيني واسرائيلي - وكأن الحديث يدور عن طرفين متكافئين متجاهلة ان اسرائيل قوة احتلال غير الشرعي وان الفلسطينيين هم ضحية الاحتلال لا بل انها قد ذهبت بعيدا عندما تحدثت عما اسمته المخاوف "الامنية الاسرائيلية" وهي مخاوف الدولة الاقوى عسكريا في الشرق الاوسط ان لم نقل الدولة النووية وفق تقارير موثوقة لمراكز ابحاث دولية وحتى وفق تصريحات مسؤولين اسرائيليين: ألم يكن من الاجدر بالوزيرة الاميركية ومن باب التوازن ان جاز التعبير ان نتحدث قليلا عن مخاوف الشعب الفلسطيني على امنه المستباح يوميا في الاراضي المحتلة وعلى حقوقه بل على وجوده ؟

واخيرا فان من ينسف جهود السلام وليس فقط يحاول نسفها هو الطرف الذي تحدثت الوزيرة الاميركية عن مخاوفه الامنية وليس الجانب الفلسطيني الذي لوح باللجوء الى الامم المتحدة بعد ان اغلقت اسرائيل كل الابواب والنوافذ والثقوب الصغيرة امام جهود السلام وبعد ان ثبت ان الية التفاوض التي تطرحها واشنطن قد فشلت فشلا ذريعا في تحقيق اي تقدم وبعد ان تخلت واشنطن عن الكثير من مواقفها وتعهداتها وباتت تكتفي منذ زمن طويل بعبارات تنتقد فيها الاستيطان دون ان يكون لمثل هذه العبارات اي تأثير على الواقع الميداني .

ولهذا فان ما يجب ان يقال ان المواقف التي عبرت عنها الوزيرة الاميركية تشكل تراجعا جديدا في موقف الولايات المتحدة الاميركية وضربة اخرى للشرعية الدولية واسهاما في تشجيع اسرائيل على المضي قدما طالما ان الولايات المتحدة ابقت بأيدي اسرائيل حق الفيتو على جهود السلام وحق رفض اي خطوة لا تنسجم مع اطماع اسرائيل ومواقفها المتشددة .

والسؤال الذي يطرح ازاء ذلك كله هو: ما الذي سيفعله العرب بعد كل ما قالته كلينتون؟ وما الذي سيفعله الجانب الفلسطيني؟ وما الذي سيفعله كل الحريصين على الامن والاستقرار والعدل والسلام في هذه المنطقة من العالم لانهاء الاحتلال الاسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة ؟!