ليس اهتمام الكثيرين في عالمنا العربي بالقوة الأميركية ومستقبلها تجسيداً لولع، أو كره، استحواذي في ما يتعلق بالولايات المتحدة، وإنما هو انعكاس مباشر لإدراك الدور الخطير الذي تلعبه هذه القوة في تشكيل ملامح الكثير من الأحداث التي يشهدها العالم العربي، والتلاعب بالقوى والمكونات التي تقف وراء هذه الأحداث.
هذا الإدراك ليس وليد اليوم ولا الأمس القريب، وإنما هو يعود إلى المرحلة التي بدأت فيها الولايات المتحدة في التحرك النشط لوراثة الإمبراطورية البريطانية على امتداد العالم.
لقد توقف الكثير من الباحثين العرب عند تطورات حرب المحيط الهادئ، وبصفة خاصة عند القصف الأميركي لليابان بقنبلتين نوويتين، في مرحلة بدا فيها بجلاء أن الإمبراطورية اليابانية تطرق كل الأبواب الدبلوماسية المتاحة لها للتفاوض حول استسلام مشرف.
البعض يتصور أن ما تحرك الأميركيون من أجله كان دفن المشروع الياباني لتكريس مجال الرخاء المشترك، وهو الاسم الذي اعتمدته طوكيو، لطموحها في السيطرة على المحيط الهادئ وأجزاء من آسيا في مقبرة لا نهوض له منها.
لكن الأمر لم يكن كذلك يقيناً، فعندما أزاحت القنبلتان النوويتان مئات الألوف من اليابانيين إلى رحاب العدم في هيروشيما وناغازاكي، كان المشروع الياباني قد أصبح بالفعل شيئاً ينتمي إلى الماضي.كان القصف الأميركي، في واقع الأمر، يخاطب المستقبل، ويتوجه بدويّه إلى العالم كله.
هكذا فإن ما يطرحه الباحثون الأميركيون عن أن عودة المؤسسة العسكرية الأميركية إلى التضخم، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، مرتبط بانفتاح آفاق الحرب الباردة ليس صحيحاً، وإنما الصحيح أنه مرتبط بتجسيد الطموح الأميركي إلى سيطرة منفردة على العالم كله.
ولقد رأينا، على امتداد العقود القليلة الماضية، الانطلاق نحو المدى الكامل لهذه السيطرة، ولم تكن حربا أفغانستان والعراق إلا نوعاً من الممارسة، التي لها ما بعدها، لهذه السيطرة.
غير أن الممارسة في هاتين الحالتين، على وجه التأكيد، تشدد من جديد على الحكمة التقليدية القائلة: إن بوسعك أن تبدأ حرباً، لكنك ليس بمقدورك أن تتكهن بالكيفية التي ستنتهي بها.
هذا هو، بالضبط، ما يدفع تياراً بكامله من الكتاب والباحثين الأميركيين إلى القول إن المؤسسة العسكرية الأميركية، في ممارستها للسيطرة المطلقة على امتداد العالم، إنما تعرض أميركا نفسها للخطر.
ليس من قبيل الصدفة أن يضع وليام فاف عنواناً لمقال حديث له «تصنيع اللاأمن ـ كيف تعرض النزعة العسكرية أميركا للخطر».
وهذه الآلية هي المنطق نفسه مجسداً، فالبشر ليسوا قطعان خراف يمكن أن تقاد إلى الذبح بحسب رؤية كل من يرى في القيام بذلك حقاً له. ربما لهذا فإن «المملكة الوسطى»، وهو الاسم التقليدي للصين، ترى من حقها أن تعود إلى وسط العالم، ليس بالحضور الاقتصادي وحده، وإنما بالدفاع المسلح عن هذا الحضور.
وهي رؤية من الواضح أنها ليست موضع تأمل صانعي القرارات في بكين وحدهم.في عالمنا العربي، تتأمل الملايين من البشر إلى أين يمضي التحالف التقليدي للولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تبدو تجلياته الأخيرة تحكماً في مصير المنطقة وقدرها.
في الوقت نفسه تبدو القوة الأميركية مرتبطة أشد الارتباط، في عالمنا العربي، بظاهرة التشظي والتمزق الذي تتلاعب واشنطن بمقوماته، وليس من قبيل الصدفة أن يطرق الانقسام أبواب السودان والعراق واليمن في آن، وهي بلاد يضمها خط ناظم واحد ـ الحضور الأميركي الطاغي.
ويبقى من حقنا أن نتابع القوة الأميركية، وهي تطفو إلى المستقبل، على محيط من الغموض وعلامات الاستفهام. ومن حقنا بالقدر نفسه أن نبذل قصارى ما في وسعنا حتى لا يرتبط تجلي هذه القوة بالبطش بمستقبل أجيالنا المقبلة.