هل ما زال شعار الحداثة صالحاً للعمل الحضاري والإنمائي في العالم العربي؟
مناسبة السؤال انعقاد اليوم العالمي للفلسفة الذي نظمته اليونيسكو لهذا العام، كعادتها سنويا، في غير عاصمة، تحت شعار «الفلسفة: التنوع الثقافي والتقارب بين الثقافات».
وقد نُظِّم عربياً في تونس، التي هي أصلاً مقر كرسي اليونيسكو للفلسفة، بإدارة رئيس الكرسي الدكتور فتحي التريكي، تحت شعار «الفلسفة واستراتيجيات الحداثة».
شارك في اللقاء حشد من المشتغلين بالفلسفة في تونس ومن غير بلد عربي. وقد افتتح، بمحاضرتين وجرت أعماله على موائد تسع، تناولت العديد من المسائل والمحاور.
واختتم بمحاضرة للأستاذ فتحي التريكي حول العلاقة بين اللغة المفهومية والضرورة التواصلية، وببيان حول معنى الفلسفة ومهمة الفيلسوف في مواجهة التحديات الراهنة والتحولات الجارية.
وقد صيغ البيان بلغة عالمية تتجاوز أطر الزمان والمكان، دون ذكر لخصوصيته المحلية والقومية، الأمر الذي أثار اعتراض البعض الذين طالبوا بأن يتضمن البيان إشارة إلى ظرفه التونسي وسياقه العربي.
وأنا كنت ضد التخصيص، لأن الفيلسوف هو عالمي بالتعريف، فكيف ونحن في عصر تتشابك فيه المصالح والمصائر، عالمياً، بقدر ما تتشكل هويات عابرة. فضلاً عن أننا، عربياً، سليلو مفكرين وفلاسفة، كالفارابي وابن رشد وابن عربي، مارسوا عالميتهم، أكثر بكثير من أفلاطون وأرسطو.
أما كلمتي التي جاءت تحت عنوان «مأزق الإنسانية الحديثة، شبكات جديدة للقراءة»، فكانت عبارة عن قراءة في بعض المفردات التي وردت في خطاب الدعوة، وخاصة مسألة الحداثة.
وقد بدأتها بملاحظة منهجية لأقول إنني لا أقدم نفسي بوصفي مناضلاً أو داعية، يهتم بالتنظير لإصلاح أو تحديث مجتمع أو امة أو عالم أو عصر بأسره. هذه مهمة فشل فيها الدعاة، في غير مكان، لأن أعمال الإصلاح والتحديث والبناء، في مجتمع من المجتمعات، أو في قطاع من القطاعات، هي شأن عمومي مشترك، يساهم فيه جميع الفاعلين الاجتماعيين، كل في مجال عمله.
لذا، فأنا قدمت نفسي كمشتغل في حقل الفلسفة، رهاني أن أنجح في عملي بأدوات اختصاصي، التي هي شبكات الفهم وصيغ العقلنة وقيم الحوار والمداولة، في ما يخصّ قراءة المجريات وفهم الظاهرات.على هذا النحو يفعل ويؤثر المنتجون للمعارف، حول الواقع، من الفلاسفة والعلماء.
فإذا ما تأتّى لأحدهم أن ينجح في إنتاج أفكار خصبة ومفاهيم خارقة، يمكن عندئذٍ لمن يتداولها من الفاعلين في بقية الحقول والقطاعات، أن يفيد منها، ولكن بالعمل عليها وتحويلها على نحوٍ بنّاء، بحيث تستثمر في تركيب الحلول الآيلة إلى تحسين الأحوال أو معالجة المشكلات، سواء على مستوى محلي أو عربي أو على المستوى العالمي.
من حيث المضمون، كانت حجتي في تسويغ موقفي النقدي أن مصطلح «الحداثة» قد استهلك وتمّ تجاوزه، بعكس ما يظن كثر من عرب وغير عرب. وذلك من غير وجه:
الأول؛ أن العرب منخرطون في أعمال التحديث، على الأقل منذ عقود، وفي مختلف الحقول والميادين. هذا ما يفعله اليوم من غير ادعاء أو تنظير، رجال الأعمال وأصحاب المصارف والشركات والقنوات ونجوم الفن ولاعبو الكرة، وسواهم من الفاعلين الجدد على المسرح.
وهذا ما يفعله أيضا أدباء وفنانون وفلاسفة ومعماريون وصناعيون، لا يهتمون كثيراً برفع الشعارات وطنطنة الخطابات. ومن المفارقات، في هذا الخصوص، أن دعاة الحداثة هم الذين لم ينجزوا المهمة المناطة بهم، إذ فشلوا في تحديث أفكارهم، سواء باختراع عناوين جديدة أو بتطوير العناوين القديمة، فضلاً عن كونهم أول من ينتهك ما يدعون اليه.
هذا ما تشهد به علاقاتهم في ما بينهم، وممارساتهم في روابطهم واتحاداتهم، إذ هي تقوم على خرق قواعد النظام الديمقراطي. الوجه الثاني؛ أن الحداثة لم تعد كما كانت، وكما يفهمها ويتعلق بشعاراتهم الحداثيون العرب بنوع خاص.
نحن نشهد، منذ عقود، موجات جديدة من الحداثة والتحديث، تحت مسميات مختلفة؛ الحداثة الفائقة، الحداثة السيالة، فضلاً عما بعد الحداثة. من هنا ولادة عناوين جديدة للعمل الحضاري والتواصل البشري، كالعولمة والتنمية والتعددية والمثاقفة والشراكة ومجتمع المعرفة..
الوجه الثالث؛ أن الحداثة تخضع، حيث نشأت في المجتمعات الغربية، إلى النقد والتشريح وإعادة النظر، بمختلف عناوينها ونماذجها، سواء اختصّ الأمر بالعقلانية والاستنارة، أو بالديمقراطية والحرية، أو بالعلمانية والإنسانية..
هذا التحول هو الذي يفسر لنا كيف أن الشعارات الحديثة لا تحرك الأجيال الجديدة التي تجاوزت الحداثة التقليدية، بقدر ما اختزنت مكتسباتها، لكي تمارس حداثتها المعولمة، وتنخرط في بناء مجتمعاتها بالاشتغال على معطيات الواقع الافتراضي، واستثمار إمكانات وأدوات العصر الرقمي والزمن الآني.
وإذا كانت المراجعات تطال مختلف مفردات الحداثة، فإنها تطال بالدرجة الأولى مفهوم الإنسان، لأنها على صلة وثيقة به. ولا غرابة، فما نفكر فيه ونعرفه أو نفعله ونستعمله، إنما يتصل بمفهومنا لذواتنا وصورنا عن أنفسنا. ولذا فإن نماذج الإنسان وصوره، تخضع للتغير عند كل منعطف تاريخي أو تحول ثقافي أو نظام معرفي او عصر تقني..
واليوم نحن نتجاوز مفاهيم الانسان ككائن عاقل أو جوهر مفكر أو أنا متعالٍ، كما تجاوزنا مع الحداثة مفهوم الانسان الماورائي واللاهوتي، كما يبيّن الفيلسوف فرنسيس وولف في كتابه «انسانيتنا».
فمع الطفرة البنيوية التي شهدتها علوم الإنسان في النصف الثاني من القرن العشرين، ولدت صورة جديدة هي «الإنسان الخاضع». ومع انفجار العلوم الإدراكية والبيولوجية، تولدت صورة جديدة هي «الإنسان العصبي». ومع كل صورة جديدية تهتز قناعات راسخة، بقدر ما تتغير خرائط المعرفة ويتبدّل سُلَّم القيَم.
في أي حال، ما تشهده المجتمعات البشرية من أزمات تضرب وتعصف على غير صعيد، يعني أنه لم يعد مجدياً مقاربة الواقع الكوني الراهن، بالعُدّة الفكرية المستهلكة أو بالنماذج الثقافية البائدة، سواء على جبهة الحداثيين أو في معسكر اللاهوتيين. ثمة حاجة إلى شبكات جديدة لقراءة المجريات العالمية، على نحو تتجدد معه أطر النظر وقواعد العمل.
وبالعودة إلى اليوم الفلسفي الذي كان يوماً مشهوداً، وكان من سعادتي أن أشارك في هذا الحفل الحاشد، في تونس، لكي ألتقي، لقاءات حيّة، على سبل التداول الخصب والتبادل الغني، مع من ألتقي به من الزملاء والقراء وأصدقاء المعرفة وعاشقي الفلسفة.
ومما يضاعف سعادتي، ما أشاهده وأعاينه، أثناء زيارتي إلى تونس الخضراء، النامية، الجميلة، من معالمها التراثية العريقة، وفضاءاتها الحضارية الحديثة، وقراها السياحية العامرة، فضلاً عن ورشاتها ومهرجاناتها الثقافية والفنية المزدهرة.
كاتب ومفكر لبناني
harb@cyberia.net.lb
