لم يجد السيد جوليان أسانج، الأسترالي الجنسية، آذاناً صاغيةً بما فيه الكفاية في إصداره الأول. أعاد الكرّة بمجموعة أكبر مما أُطلق عليه «تسريبات» بشأن أسرار السياسة الأميركية الخارجية.
هذه حقيقةً لا تبدو أسراراً بقدر ما هي شبه تكرار لمعلومات. معلومات عن ممارسات روتينية عادية، تعبر عن مدى استهتار الإدارة الأميركية بمستوى ذهنية الأفراد والشعوب والحكومات عبر العالم.
طبيعة أعمال وتحركات السيد أسانج تكشف آفاق اللعبة وماهيتها، بل وسذاجتها. وحتى تعطي الدوائر الغربية الأمر جديةً أكثر من ذي قبل، زعمت أن مؤسس موقع «ويكيليكس» بات مطلوباً للعدالة السويدية بتهمة «الاغتصاب أو التحرش الجنسي!»، بزوج من النسوة.
ثم ذهب البعض إلى حد افتراض أو تصوير شدة حنق الدوائر الأمنية الغربية، خاصةً الأطلسية منها، على ناشر التسريبات لدرجة باتت حياته مهددة بالخطر.
لكن الناظر إلى وثائق «ويكيليكس» بشيء من التمعن، يجد حقيقة أنها ليست تسريبات. عشرات بل مئات آلاف الوثائق «السرية» تُعرض في آن معاً، لا يمكن أن يطلق عليها تسريبات.
تسريبات تعني كميات محدودة يتم الحصول عليها في ظروف غير عادية، وتحتاج إلى مزيد من الجهد الذهني والعقلي، ومن مختصين. هذا بالإضافة إلى أن جل هذه التسريبات كان مكرراً سابقاً في وسائل الإعلام؛ قسم كبير منها بشكل موثّق، وما تبقّى نتيجةً لاستنتاجات أو تحليلات من هذا الخبير المتخصص أو ذاك.
الزعم بأن هذه التسريبات تهدد الأمن الأميركي، وغير الأميركي، فيه الكثير من المبالغة؛ أحياناً لدرجة تثير الضحك مع الذات والآخرين. من يستطيع تهديد الأمن الأميركي؟! أو بالأحرى من ينظر إلى هذه الوثائق والتسريبات للحصول على معلومات أو أسرار ذات قيمة إضافية؟!
الزعماء والحكومات والدول التي أشارت إليها الوثائق والتسريبات بالفضائح، وكشف المستور والعورات، لا تنظر إلى هكذا أمور بهكذا معايير. حصول الإدارة الأميركية على رسالة أو برقية تأييد، أو حتى بيان دعم أو تحريض، قابلة للتأويلات.
تأويلات قد تأتي على أنها من باب المجاملة أو الإتيكيت أو النفاق السياسي أو تضامن ابن الموقف واللحظة. قد تكون بنيّة تسجيل موقف شبه استراتيجي، للحفاظ على المصالح الحيوية والسياسية للبعض أمام صخب الهيمنة الأميركية. وهنالك من وصل بهم العداء اتجاه بعضهم لدرجة محاولة طلب توريط القوة الأميركية الضاربة في ضربهم، وإيقافهم عند حدودهم!
ما يجعل وثائق ويكيليكس تكتسب أبعاداً سياسيةً وإعلاميةً أو حتى استخباراتيةً، هو الاهتمام الكبير بها. هذه خاصية تتمتع بها المواد الإعلامية «البالونية» المبالَغ في صخبها.
بات معلوماً أن جل وسائل الإعلام العالمية النافذة، تسير وفق أجندة الإدارة الأميركية، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن رضى وقناعة. في هذا العصر الأميركي بامتياز، من يستطيع أن ينحرف بنفسه عن المسار الذي ترسمه الإدارة الأميركية للآخرين؟!
بهذا الشكل من الترتيب وحرفية التنسيق والإخراج، تبدو وثائق ويكيليكس وكأنها جزء متمم لمسلسل أو فيلم سياسي عسكري إعلامي. فيلم لا يزيد كثيراً في مصداقيته على أدوار شخصيات مسلسل توم وجيري المعروف.
لكن، وللأسف، بات على الآخرين الإصغاء لتلك المعلومات وأخذها على محمل الجد. ذلك لتجنب غضب الساسة الأميركان، خاصةً من هم في دوائر صناعة، أو صياغة أو بلورة أو تصنيع أو إعادة تصنيع، القرار الأميركي. ذلك ما قد يجر عليهم الكثير من الويلات الاقتصادية والسياسية والمالية، وربما الإدارية الداخلية.
يمكن للسيد جوليان أسانج أن ينام قرير العين مطمئن الفؤاد؛ سجيناً كان أم طليقاً أم طريداً أم آمناً، أو هكذا بدا ويبدو. سيبقى ذكر اسمه ورسم شكله ساطعاً في عقول أجيال العالم من الآن وحتى إشعار آخر.
سوف يُشار إليه بالبنان لبطولته وعبقريته في مجال التصنت والقرصنة المعلوماتية واستخلاص الوثائق السرية ونشرها على مسامع العالم، على شكل دفعات وبأحجام مميزة في الضخامة. سوف يتلاهى الكثيرون عن أعمالهم وواجباتهم والتزاماتهم الحيوية واليومية، يلهثون وراء سراب وثائق ويكيليكس، المسرّبة بطريقة أو بأخرى!
جامعة الإمارات
Nasrin@uaeu.ac.ae