«بعد الاستشارات مع الأطراف، قررنا أن تجميد البناء في المستوطنات لن يوفر في هذا الوقت الأساس الأفضل لاستئناف المفاوضات المباشرة».. بهذا الإعلان من أحد موظفي الخارجية الأمريكية والمتحدثين باسمها، أسدلت الإدارة الأمريكية الستار على عام ونصف العام من الأوهام التي انطلقت مع خطاب الرئيس أوباما الشهير في القاهرة.
والذي أكد فيه على إدراك إدارته لمركزية القضية الفلسطينية، بالنسبة لاستقرار وأمن المنطقة والعالم، وسعيها لتسوية شاملة تقوم على «حل الدولتين».
وبدء التحرك الأمريكي بمطالبة إسرائيل بالوقف الشامل والفوري لكل عمليات الاستيطان، والدخول في مفاوضات تحت الرعاية الأمريكية للوصول إلى التسوية التاريخية التي اعتبرها أوباما «مصلحة قومية أمريكية».
في نفس اليوم الذي أطلق فيه أوباما مبادرته من القاهرة، سمع من القيادات المصرية، التي كانت ترحب به بعد سنوات صعبة في علاقاتها مع سلفه بوش الابن، تحفظا على التركيز في قضية الاستيطان فقط، خوفا من ضياع الوقت وتبديد الفترة الأولى من رئاسة أوباما التي يتمتع فيها بتأييد قوي داخل وخارج أمريكا.
سيكون من الأفضل استغلاله في الدخول إلى صلب القضية وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 67، وتركيز الجهد الأمريكي في التوصل إلى اتفاق على حدود الدولة الفلسطينية، لأن إقرار حدود الدولة الموعودة سوف يلزم إسرائيل بوقف أي نشاط استيطاني داخل هذه الحدود، ويفتح الباب لتحقيق «حل الدولتين» على الأرض.
لكن أوباما مضى في طريقه، ليدخل في مغارة التسويف الإسرائيلي الذي انتهى بعد ما يقرب من عام ونصف العام، بإعلان هزيمة الرئيس الأمريكي وإدارته أمام نتنياهو واللوبي الصهيوني المؤيد له في أمريكا.
وبالتالي عودة الأمور إلى نقطة البداية أو ما هو أسوأ، حيث الحديث عن مفاوضات جديدة في ظل استمرار الاستيطان، الذي قررت الإدارة الأمريكية الآن، وبعد ضياع عام ونصف العام من المفاوضات العبثية، أنه «لا يوفر الأساس الأفضل لاستئناف المفاوضات»..
وهي التي كانت تعرض على نتنياهو، حتى «إعلان الهزيمة»، حوافز بعشرين مليار دولار من بينها أحدث الطائرات المقاتلة، وتعهدات سياسية بمنع استصدار أي قرارات من مجلس الأمن بحق الفلسطينيين في دولتهم، والعديد من الضمانات والمكافآت والحوافز، مقابل شراء ثلاثة أشهر فقط من تجميد الاستيطان الذي ترى الآن أنه لا يمثل أساسا لاستئناف التفاوض!!
والسؤال هو: أي مفاوضات تتحدث عنها واشنطن بعد هذه الصفعة التي تلقتها من إسرائيل وردت عليها بالانحناء الذليل؟ ومن يثق ـ بعد ذلك ـ في قدرتها على انتزاع الحد الأدنى المقبول من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بإقامة دولته على الأرض المحتلة عام 67؟
وإذا كان أوباما لم يستطع في السنة الأولى من ولايته «التي كان يتمتع فيها بأكبر تأييد لرئيس أمريكي منذ عقود»، أن يفرض على إسرائيل مجرد تجميد الاستيطان غير القانوني وغير المشروع.
فكيف سيستطيع الآن أن يفرض «الحل الشامل» وهو يعاني من تآكل شعبيته، ومن هزيمته في الانتخابات التشريعية وضعت مجلس النواب تحت سيطرة الجمهوريين، وكشفت عن عودة زمام المبادرة إلى اليمين الأمريكي ونفوذ اللوبي الصهيوني؟
وكيف يقنع أحدا بأنه قادر على الضغط على الحكومة الإسرائيلية، وهو غارق في أزمة اقتصادية طاحنة، وفي حرب خاسرة في أفغانستان وفي فضيحة ويكيليكس وذيولها، وفي الخروج من العراق والأزمة مع إيران؟
وهل هناك معنى للإقرار بالهزيمة أمام نتنياهو في قضية الاستيطان، إلا أن عليه أن يطوي الملف من جانبه، وأن يكتفي بإدارة الأزمة بما يوفر لإسرائيل الوقت والفرصة لتنفيذ مخططاتها، والضغط على الفلسطينيين والعرب لقبول الحل الإسرائيلي الذي سبق أن أكد عليه نتنياهو وليبرمان، والذي ينهي في الواقع أي احتمال لإقامة الدولة الفلسطينية، ويحول «حل الدولتين» إلى حل مستحيل..
سواء بالحديث عن مفاوضات لعشرين سنة أخرى! أو بالتأكيد على حل مرحلي أو حدود مؤقتة، أو كيان «أقل من دولة» خاضع سياسيا وأمنيا واقتصاديا للاحتلال الإسرائيلي، يحقق لإسرائيل كل ما تريده..
تتخلص من خطر العرب على «يهوديتها»، ومن الضغط الدولي لإنهاء الاحتلال، وتضمن في نفس الوقت استمرار هيمنتها وسيطرتها وبرنامجها للتهويد، في حراسة كيان فلسطيني تتولى إدارته مسؤولية حفظ الأمن وحماية المستوطنين وانتظار تحقيق «وهم» الدولة بعد عشرين سنة أخرى من المفاوضات ومن تقديم شهادات الصلاحية للاحتلال الإسرائيلي!!
يصف الرئيس الفلسطيني أبومازن ما يحدث بأننا أمام «أزمة صعبة».. والأزمة لم تحدث اليوم، بل منذ الخطأ القاتل في أوسلو حيث حصلت إسرائيل على كل شيء ولم تعط الفلسطينيين إلا وعودا بالتفاوض واعترافا بالمنظمة.
وليس الدولة، وسلطة فلسطينية لا تملك أي سلطة فعلية، ويشكو رئيسها أبومازن ـ وبعد 17 سنة ـ من أنه لا يستطيع التحرك من مكان إقامته إلا بإذن إسرائيلي!!
«الأزمة الصعبة» ليست جديدة، ولا مفاجئة، وإذا كانت المناسبة هي إعلان أمريكا فشلها في إيقاف الاستيطان بعد عام ونصف العام من التفاوض المباشر أو غير المباشر، فالأمر كان متوقعا منذ البداية..
فلماذا تتراجع إسرائيل عن مخططاتها وهي تنعم بأرخص احتلال في التاريخ، وتعلم أنه ليس أمام الفلسطينيين إلا التفاوض بعد أن أسقطوا كل البدائل الأخرى.
وأن العرب قد اكتفوا بإعطاء «أوراق اللعبة» لأمريكا وانتظار ما تحققه لهم، مع الإقرار مقدما بانحيازها الكامل والدائم لإسرائيل، ومع حقيقة أن المصالح الأمريكية وغير الأمريكية لن تتأثر بهذا الانحياز!
والآن وبعد هزيمة الإدارة الأمريكية أمام نتنياهو، والوصول إلى المأزق الحالي، يتم طرح الخيارات التي أعدتها السلطة الفلسطينية والتي عرضتها على القمة العربية الأخيرة في «سرت»، والتي تبدأ بمطالبة الإدارة الأمريكية بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود 67، وتصل إلى حل السلطة الفلسطينية كما لوح بذلك أبومازن قبل أيام.
وأياً كان الخيار فإن نقطة البدء في مواجهة الموقف الصعب، هي إتمام المصالحة الوطنية الفلسطينية واستكمال الإجماع العربي على الخطوات التي تضع أمريكا والعالم كله أمام مسؤولياتهز
بإعلان الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس، وبإنهاء التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، وحشد الشعب الفلسطيني بمختلف اتجاهاته في حركة مقاومة مدنية مشروعة.
وبالاتجاه إلى العالم لكي يتحول اعتراف البرازيل والأرجنتين بالدولة الفلسطينية، إلى حركة شاملة تجسد الشرعية الحقيقية في مواجهة الاحتلال، وبموقف عربي يتعامل مع الإدارة الأمريكية في هذه القضية الأساسية، انطلاقا من موقف الرئيس الأمريكي نفسه..
فإذا كانت التسوية العادلة هي «مصلحة قومية أمريكية»، فإن على الطرف الذي يعطلها أن يدفع الثمن حتى لا تدفعه أمريكا نفسها من مصالحها في المنطقة وفي العالم!!
كاتب مصري
elsadattt@hotmail.com
