رغم كل الهيمنة والاستحواذ على القرار اللذين تتمتع بهما دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، حذر الرئيس الأميركي «باراك أوباما» الأسبوع الماضي، من أن أميركا تواجه لحظة «سبوتنيك» جديدة، في ظل نظام الاقتصاد العالمي.
ودعا الأميركيين إلى التحرك سريعا للحفاظ على مكانة دولتهم كزعيمة للعالم، وألمح إلى أنه مستعد للتراجع عن مواقفه لتسوية الخلاف مع الجمهوريين بشأن الضرائب، لأن المنافسة يجب أن تكون مع الدول الأخرى، وليس بين الأميركيين!
لحظة «سبوتنيك» التي يحذر منها الرئيس الأميركي، هي لحظة الصدمة والتحول في مسار الأبحاث والعلوم في الولايات المتحدة الأميركية، كما هو معروف، وهي اللحظة التي شعر فيها الأميركيون بالهزيمة العلمية والمهانة في أوج فترة احتدام الحرب الباردة بينهم وبين الاتحاد السوفييتي السابق.
تلك الحرب التي لم تقتصر على التفوق في القدرات العسكرية فقط، وإنما امتدت إلى القدرات العلمية والبحثية التي انتقلت من الأرض إلى الفضاء، غداة إطلاق الاتحاد السوفييتي أول قمر صناعي في الرابع من شهر أكتوبر عام 1957م.
تحت اسم «سبوتنيك 1» ليكون أول تابع من صنع الإنسان يوضع في مدار حول الأرض، وقد زُوِّد بنظام اتصالات مكون من مرسلين، وظل يرسل إشاراته على مدى 92 يوماً، قبل أن يتحطم في الرابع من يناير عام 1958م بعد توقف الأجهزة الكهربائية التي كانت على متنه بسبب نفاد القدرة المدخرة. وقد سجل السوفييت بذلك أول غزو للفضاء من قبل الإنسان في تاريخ البشرية.
لم تكن لحظة «سبوتنيك» مجرد لحظة عابرة في حياة الأميركيين الذين كانوا يظنون أنهم يمسكون بزمام العلوم والتكنولوجيا، ويتفوقون فيهما على منافسهما التقليدي في ذلك الوقت الاتحاد السوفييتي.
وإنما كانت لحظة استيقاظ واستنهاض لكل طاقات ومقدرات الأمة الأميركية التي كانت تسعى إلى فرض سيطرتها على العالم، ليس بالقوة العسكرية فقط، وإنما بقوة العلم والتكنولوجيا التي كانت جبهة مفتوحة للسباق والمنافسة وإحراز النقاط لكسب المعركة.
وقد شكل إطلاق «سبوتنيك» لحظة إعادة حسابات لخطط أميركا في مناهجها التعليمية التي رأت أنها لم تكن تخدم البحث العلمي بالشكل المطلوب.
خاصة في مجال العلوم والرياضيات، لذلك انصبت كل الجهود على حل المشكلة من جذورها، فكان الاتجاه إلى إصلاح النظام التعليمي الذي رأى أصحاب القرار أن مخرجاته هي سبب التأخر عن مواكبة ما حققه الاتحاد السوفييتي في مجال تكنولوجيا الفضاء، حيث إنه لا يخرّج العدد الكافي ولا النوعية المطلوبة من العلماء والباحثين.
من التعليم إذن، انطلقت حركة التصحيح بعد لحظة «سبوتنيك» التي فاقم من آثارها إرسال الاتحاد السوفييتي لرائد الفضاء «يوري غاغارين» في الثاني عشر من إبريل عام 1961، ليكون أول إنسان يرى الأرض من الفضاء الخارجي على متن مركبة الفضاء السوفييتية «فوستوك 1».
وقد استغرقت عملية التصحيح هذه اثني عشر عاما لتتوَّج بهبوط أول إنسان على سطح القمر في العشرين من شهر يوليو عام 1969م، عندما وطئت أقدام رائد الفضاء الأميركي «نيل أرمسترونغ» سطح القمر. عندها فقط شعر الأميركيون بأنهم قد تجاوزوا لحظة «سبوتنيك» تلك وتخلصوا من عقدة لازمتهم اثني عشر عاما عصيبة.
لا شك أن مياهاً كثيرة جرت في نهر الصراع والتنافس والسيطرة على قمة العالم؛ مياها أزاحت من طريق الولايات المتحدة الأميركية منافسها التقليدي الاتحاد السوفييتي الذي انهار عام 1991.
مع بزوغ نجم «بوريس يلتسن» وتوقيع رؤساء الجمهوريات السوفييتية وثيقة حل الاتحاد السوفييتي بعد سبعة عقود من تطبيق النظرية الاشتراكية، تاركين في الأفق سؤالا حائرا عن سبب الانهيار، وعلامة استفهام عما إذا كان الخطأ في النظرية أم التطبيق؟، وعلامة تعجب ربما جاءت قبل أوانها.
ما بين عام 1957 الذي أفاقت فيه الولايات المتحدة الأميركية على لحظة «سبوتنيك»، وأواخر عام 2010 الذي حذر فيه الرئيس الأميركي «باراك أوباما» من لحظة «سبوتنيك» جديدة، أكثر من نصف قرن، حدثت فيه تحولات كثيرة تعززت خلالها الهيمنة الأميركية على القرار الدولي.
واختفت خلاله وجوه وظهرت وجوه، وزالت أنظمة وجاءت أنظمة، وكان الدور الأميركي خلال كل ذلك واضحاً ورئيسياً ومؤثراً في كل مكان على وجه المعمورة.
ما بين تلك اللحظة القديمة والتحذير من لحظة جديدة، مسافة انتهت فيها الحرب الباردة بين المعسكرين الشهيرين، وظهرت حروب أخرى كانت للولايات المتحدة الأميركية فيها أدوار متعددة الأشكال والأحجام، أدت في أحيان كثيرة إلى احتراق أصابعها، بل وصلت النار إلى أحشائها في الحادي عشر من سبتمبر الشهير.
وإذا كانت لحظة «سبوتنيك» الأولى علمية تكنولوجية، فإن لحظة «سبوتنيك» الثانية التي يحذر منها الرئيس «أوباما» اليوم اقتصادية هذه المرة، وقد بدا هذا واضحا وهو يدعو إلى خطة «سبوتنيك» جديدة تضمن بقاء بلاده متقدمة على الهند والصين، قائلا إن الولايات المتحدة يجب أن تستثمر في مجال الابتكار والتكنولوجيا واغتنام الفرص الجديدة، لتظل قادرة على المنافسة مع دول مثل الهند والصين.
هذا هو الواقع الذي يفرض نفسه في ظل نظام الاقتصاد العالمي الذي أطلق فيه الرئيس «باراك أوباما» صرخة تحذيره للأميركيين، أما الصرخة التي نطلقها نحن العرب ولا نعرف إن كانت ستوقظ أحدا أم لا، فهي: متى نشعر نحن أيضا بلحظة «سبوتنيك» عربية، لحظة «سبوتنيك» من أي نوع، كي نستفيق من هذا السبات الذي لا تظهر له في الأفق نهاية أو بوادر صحوة أو آثار صدمة؟
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
