ليس من المبالغة في شيء القول أن الاعلان من جانب الولايات المتحدة عن وقف جهودها لاقناع اسرائيل، أو بالاحرى الضغط عليها، من أجل تجميد البناء في المستوطنات الاسرائيلية لمدة ثلاثة أشهر حتى يمكن استئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل، قد أثار موجة من الاحباط على المستويين الفلسطيني والعربي بوجه عام، وعلى المستوى الدولي كذلك بشكل او بآخر. وذلك نظرا لأن الولايات المتحدة قد تبنت الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين وحكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في الشهور الماضية قبل أن تتوقف تلك المفاوضات في 26 سبتمبر الماضي.
من جانب آخر فإنه من المعروف على نطاق واسع أن الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الدولية الوحيدة القادرة على ممارسة الضغط على اسرائيل لحملها على اتخاذ مواقف أو قرارات معينة قد تفتح الطريق أمام استئناف المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين واسرائيل. والمقصود بممارسة الضغط هنا لايقتصر على الجانب التقليدي أو السلبي لممارسة الضغوط، ولكنه يمتد ليشمل الجانب الايجابي المتمثل في تقديم المنح والمساعدات والأسلحة الأكثر تطورا لإسرائيل لكسب موافقة حكومتها المتطرفة على التجاوب مع الجهود الأمريكية الرامية إلى تحريك عملية السلام مرة أخرى. ومن المؤكد أنه ليست هناك قوة دولية أخرى تملك ما يتوفر للولايات المتحدة من إمكانات في هذا المجال.
وبالرغم من أن الادارة الأميركية قد أعربت على نحو واضح عن استعدادها لمد اسرائيل بطائرات مقاتلة هي الأكثر تطورا من طراز "اف – 35" التي لم تدخل الخدمة في الجيش الأميركي نفسه، وبالرغم أيضا من حزمة التعهدات التي طالبت بها حكومة نتانياهو واستجابت لها الادارة الاميركية، أوأبدت على الأقل استعدادا للتجاوب معها، خاصة فيما يتصل بالموقف الأمريكي في مجلس الأمن الدولي حيال أية محاولة فلسطينية أو عربية للذهاب إلى مجلس الأمن أو لأية هيئة من هيئات الأمم المتحدة الأخرى للمطالبة بالاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، إلا أنه من الواضح أن ذلك كله لم يكن كافيا لاقناع حكومة نتانياهو بالتجاوب مع مطلب تجميدعمليات الاستيطان لثلاثة أشهر يتم خلالها التوصل إلى اتفاق بين الفلسطينيين واسرائيل حول موضوعات الوضع النهائي في المفاوضات تمهيدا للتوصل الى اتفاق سلام.
ومع الوضع في الاعتبار أن الاعلان الاميركي عن وقف جهود اقناع اسرائيل بذلك يمثل في جانب منه انتصارا لحكومة نتانياهو والتيار اليميني الاسرائيلي الذي يتزعمه افيجدور ليبرمان وزير خارجية اسرائيل، وبالرغم من اية احباطات أثارها ويثيرها هذا الموقف من جانب الادارة الامريكية، إلا أنه من الأهمية بمكان التأكيد على نقطة جوهرية وهي أن هذا الموقف الأمريكي لاينبغي أن يكون نهاية المطاف.
أو بمعنى آخر فإنه من المهم والضروري حمل الادارة الأميركية على الاستمرار في دورها، وفي عملها من أجل الدفع لاعادة المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل مرة أخرى، ليس على قاعدة انتصار حكومة نتانياهو بالتأكيد، ولكن على قاعدة أن وقف عملية السلام وفشلها لن يفيد أي طرف، بل إن فشل عملية السلام والمساعي الأمريكية في هذا المجال سيعني بشكل مباشر وضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على كافة الاتجاهات، بما في ذلك احتمالات التصعيد والانزلاق إلى مواجهات وربما حروب بدأت إسرائيل بالفعل التحضير لها، ولكن لن يخرج منها أي طرف منتصرا، أو بدون خسائر فادحة نظرا لما تمر به المنطقة من تفاعلات تضعها على حافة الانفجار المروع.
