تشوب مهنة الدبلوماسية غالباً حالات من الفوضى، وعندما تصبح الاتصالات السرية معروفة للعامة، فإن ذلك قد يؤدي إلى إحراج كبير، لكن ما يثير اندهاشنا واطمئناننا في الوقت نفسه، حيال طوفان الوثائق الذي تسرب ونشره موقع «ويكيليكس»، هو غياب الخداع الحقيقي ضمن الإدارة الأميركية الحالية، فسنوات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش تكشفت عن الكثير من الانتهاكات، مثل التعذيب والاختطافات، بخلاف إدارة الرئيس الأميركي الحالي التي تتسم بالملاءمة في كثير من الأحيان، ويمتاز أعضاؤها بالمهارة.

ومن أفضل الأمثلة على هذا، الطريقة التي تعاملت بها الإدارة الأميركية مع إيران، رغم الضغوض الكثيفة في ما يتعلق بكيفية التعامل مع هذا الملف، لكن الإدارة لم تستجب لهذه الضغوط، وفي الوقت نفسه عمدت لتشديد العقوبات الاقتصادية على طهران.

الكثير من الصحف ووسائل الإعلام تناقل هذه التقارير، ويلفت النظر أن الوثائق أوردت أن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك حذر من أنه لم يبق متسع أمام العالم سوى ستة إلى ثمانية عشر شهراً، قبل أن يشهد ظهور سلاح نووي إيراني.

لكن هذا لا يعني أن الإدارة الأميركية تشعر بالراحة حيال ما تسرب، خاصة في ما يتعلق بتعاملاتها مع الحكومات وحثها على قبول سجناء معتقل غوانتانامو الكوبي، فقد طلبت سلوفينيا، مثلاً، ثمناً من الرئيس الأميركي باراك أوباما مقابل قبولها لسجين من المعتقل، وكنا نأمل لو أن البيت الأبيض بذل الحماس والجهد نفسه في دفع الكونغرس لإغلاق المعتقل.

وأثار طمأنينتنا ما علمناه من أن واشنطن تحاول إقناع باكستان بإزالة الوقود النووي من أحد المفاعلات، حتى لا يقع في يد الإرهابيين، وما علمناه أيضاً من أن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تناقشان بشكل عملي وحكيم، كيفية إدارة الأمور في حال انهيار النظام في كوريا الشمالية. لكن مما يثير القلق أنه لم تكن توجد أية إشارة حول معرفة واشنطن أو سيؤول بالمنشأة النووية الكورية الشمالية، التي كشفت عنها أخيراً.

ينبغي على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، الشعور بالحرج من سياستها التي تعتبر امتداداً لسياسة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، في ما يتعلق بتوجيه الدبلوماسيين الأميركيين للحصول على المعلومات الشخصية للدبلوماسيين الأجانب، بما في ذلك أرقام بطاقات الائتمان البنكية، وأرقام رحلات الطيران المتكررة، فهذا الأمر ليس من صلب عمل الدبلوماسيين، وإنما هو عمل الجواسيس، واتباع هذه السياسة يؤدي إلى أن يصبح الخط الفاصل بين المجالين غير واضح المعالم، وهذا أمر خطير.

مما لا شك فيه أن هناك أسباباً شرعية لإبقاء العديد من المحادثات الدبلوماسية سرية، لهذا فإن تسريبات «ويكيليكس» الأخيرة ستسبب الكثير من الحرج، لأسباب كثيرة، ليس أقلها أنها قدمت تقييماً جلفاً للعديد من قادة العالم، لكن ما تدعيه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من أن التسريبات تهدد الأمن القومي الأميركي، أمر مبالغ فيه على ما يبدو.

في المقابل، فإن هذه الوثائق تشكل قيمة كبيرة، لأنها تكشف السياسة الأميركية، بطريقة من حق الأميركيين والآخرين أن يروها بها.

صحيفة «إنترناشيونال هيرالد تربيون» الأميركية