هكذا صرحت به الشيخة موزة حرم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في ختام مداخلتها أمام اللجنة التنفيذية للفيفا، في حفل الإعلان عن البلدين اللذين سينظمان كأس العالم 2018 و2022. الشيخة موزة بدأت مداخلتها بسؤال جوهري واستراتيجي وهو: متى ينظم الشرق الأوسط كأس العالم لكرة القدم؟ وقدمت عرضها وفي نهايته أجابت عن السؤال بأن الوقت قد حان.

إسناد كأس العالم لروسيا ولقطر، يعتبر ثورة في حوليات وتاريخ الفيفا. فالتاريخ يؤكد أن هناك دولا معينة سيطرت عبر التاريخ على تنظيم كأس العالم، وهناك من نظمها أكثر من مرة. وعبر التاريخ لم يسبق لأي دولة عربية أو إسلامية أن نظمت كأس العالم. فوز قطر باستضافة كأس العالم 2022، كشف المستور وكشف عن النظرة الفوقية للدول الكبرى.

فالرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يتغنى بالديمقراطية ويدعي الدفاع عنها في جميع أنحاء العالم، عبّر عن استيائه من نتائج التصويت وأصبح يعطي دروسا للاتحاد الدولي لكرة القدم، ويؤكد أن هذا الأخير أخطأ الاختيار.

لكن، هل يعلم أوباما أن هناك شرائح عديدة من الشعب الأميركي لا تعرف شيئا عن كرة القدم؟ ما هي حجج الرئيس الأميركي في عدم أحقية قطر في تنظيم كأس العالم؟ أم أن كبرياء العم سام تفرض على العالم الخضوع والخنوع والاستسلام، وأن أميركا هي الأولى والأجدر بتنظيم كأس العالم لكرة القدم؟!

ردود أفعال كثيرة جاءت من دول الشمال والدول الغربية حبلى بالعنصرية والحقد والضغينة، وفي بعض الأحيان الجهل بواقع الدول والشعوب والعالم. فمنهم من تكلم عن الحجم الصغير لدولة قطر، ومنهم من تكلم على تصنيف الفريق الوطني القطري لكرة القدم في المرتبة 131 عالميا، ومنهم من تكلم عن عدم بيع الخمور وعدم الاعتراف بالمثليين في هذه الدول الشرق أوسطية الصغيرة، ومنهم من تكلم عن الجو الحار في شهري يونيو ويوليو...الخ.

هذه الردود كانت في معظمها تتجاهل أن العالم قد تغير، وهناك دول حديثة وصغيرة قد فرضت نفسها على خريطة العالم، في ما يخص الأمن والاستقرار والازدهار والنمو، كسنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية وماليزيا والإمارات وقطر وبروناي ...الخ.

فوز قطر جاء عن جدارة واستحقاق، وجاء بالديمقراطية والتصويت والعمل الجاد والدؤوب. قطر لم تسرق فوزها باستضافة كأس العالم 2022، وإنما اشتغلت على الموضوع بمهنية وحرفية، وبآخر ما توصلت إليه فنون التسويق والترويج والإقناع. وحتى تقديم الملف في زيوريخ جاء ولا أروع، حيث تعددت لغات تقديم الملف والتقنيات وأساليب الإقناع.

فحضور أمير قطر وحرمه وأبنائه، ما هو إلا تعبير واضح وصارخ وبمنطق الغرب، عن اهتمام العائلة الحاكمة بالرياضة وباستضافة كأس العالم 2022، وأنها ستلتزم وتضع كل الإمكانيات والوسائل في سبيل إنجاح التظاهرة الرياضية الأكبر في العالم.

والاعتماد كذلك على لاعبين عالميين محترمين من طينة زين الدين زيدان وسامي الجابر، للترويج للملف القطري، كان أكثر من ناجع وصائب. المشرفون على تقديم الملف القطري حولوا السلبيات إلى إيجابيات، وأبدعوا في تقديم الضمانات التي تجعل كأس العالم لكرة القدم 2022 ناجحة بكل المعايير والمقاييس.

يجب أن يقر الأعداء كما الأصدقاء، أن ملف قطر كان الأكمل والأروع والأفضل على الإطلاق. الفيفا فضل ملف قطر على أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية، لأن المشرفين لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وتطرقوا لها وأجابوا عن كل الأسئلة التي كانت تدور في عقول الفضوليين، ناهيك عن المختصين والمحترفين. وقد نظمت قطر في السنوات الأخيرة تظاهرات رياضية عالمية من العيار الثقيل، بكل اقتدار ونجاح.

للتذكير فإن الملف القطري تقدم منذ بداية التصويت للبلد الذي سيستضيف مونديال 2020، بحصوله على 11 صوتا، وما كان ينقصه إلا صوت واحد للفوز في الجولة الأولى. وهكذا كاد أصغر البلدان مساحة وسكانا مقارنة مع الدول المنافسة، أن يصنع التاريخ منذ الجولة الأولى.

وفي الجولة الرابعة والأخيرة سحق القطريون الأمريكيين ب14 صوتا مقابل 8، وهذا دليل قاطع على جدارة واستحقاق قطر تنظيم مونديال 2022، وقناعة اللجنة التنفيذية للفيفا بأنه حان الوقت لإعطاء الفرصة للآخرين لتنظيم كأس العام.

دروس نجاح ملف قطر عديدة، من أهمها أن الدول في السياسة والاقتصاد والكولسة السياسية و«اللوبيينغ»، لا تقاس بحجم المساحة ولا بعدد السكان، وإنما تقاس بمعرفتها إتقان اللعبة ومعرفة كيف تنافس وكيف تحدد نقاط القوة والضعف عندها وعند الآخرين.

ملف قطر أحدث ثورة عارمة في كواليس ودهاليز الفيفا، حيث إن قطر اخترقت القاعدة وأرست معايير جديدة للكولسة وللفوز بالأصوات وللحصول على شرف الاستضافة، رغم منافسة دول قوية بحجم الولايات المتحدة الأميركية واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.

ملف قطر كشف كذلك عن غطرسة بعض الدول الغربية، التي تقبل بالديمقراطية التي تخدم مصالحها، لكنها تنتقد الديمقراطية حين لا تكون في صالحها. فتصريحات أوباما وردود الأفعال العديدة في الصحافة العالمية الغربية كانت خائبة في مجملها، حيث إنها كشفت عن الاستعلاء والكبرياء والأبوية، وأن القوة والمعرفة ما زالت عند الكثيرين تتمركز في الشمال وفي الغرب، وما زال الكثيرون يفكرون بمنطق القرون الماضية، وموازين ما بعد الحرب العالمية الثانية!

لكن في الأخير ساد المنطق السليم، وأبى الاتحاد الدولي لكرة القدم إلا أن يقرر وضع حد لهيمنة الكبار على العالم، ويؤكد «دمقرطة» كرة القدم العالمية، وإعطاء عشاقها في الشرق الأوسط وروسيا نشوة التمتع بها كغيرهم من شعوب العالم. لقد حان الوقت فعلا.. فمبروك لقطر ومزيدا من التألق والازدهار.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae