مع أن اعلان الادارة الأميركية فشل محاولاتها في كبح جماح الاستيطان الاسرائيلي قد اثار موجات من الاحباط والغضب في العالم العربي والاسلامي ، ولدى كافة الدول والجهات التي تؤمن بمبدأ حق اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، فان هنالك جوانب ايجابية لهذا التنصل ينبغي على النظام العربي أن يتنبه لها ويتعامل معها ، وكذلك الحال بالنسبة للمجتمع الدولي.

النتيجة الايجابية الأولى هي انتهاء اية أوهام أو آمال كان يعقدها الطرف الفلسطيني أو الأطراف العربية على قيام الادارة الأميركية بدور مؤثر يتجاوز ما قامت به الادارات السابقة وبالتالي فان الصورة الاستثنائية التي حاولت ادارة أوباما أن ترسمها لنفسها في العالم العربي قد ظهر زيفها ، مما يعني اعادة قواعد ومعايير السياسة الى حالتها الأصلية والتي تتضمن الانحياز الاسرائيلي الكامل لاسرائيل.

هذا الحال بدوره يضع مسؤوليات كبيرة على الأخوة الفلسطينيين في ضرورة ايقاف الخلافات الداخلية بين فتح وحماس والوصول الى موقف سياسي موحد نحو حل الدولتين من جهة ، ونحو العمل على التقليل من معاناة الشعب الفلسطيني من جهة أخرى ، وهي معاناة سوف تستمر في ظل الانحياز الأميركي. أما داخل النظام العربي الرسمي فان الجميع مدعو للرد الايجابي والفعال على التحذيرات التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني في عدة مناسبات حول ضرورة تقوية الموقف العربي المشترك.

النتيجة الايجابية الثانية هي توقف مسلسل التنازلات والابتزاز الذي كانت تمارسه اسرائيل من خلال الادارة الأميركية والتي تمثلت في سلسلة طويلة من المطالبات الاسرائيلية مقابل تجميد الاستيطان لمدة شهر ، مثل المطالبة بمساعدات مالية وعسكرية كبرى وفيتو أميركي صالح لمدة سنة كاملة في مجلس الأمن وغيرها من أدوات الابتزاز.

لقد كان من المقلق جدا قبول الرئيس أوباما بمثل هذه المطالب مقابل ابقاء اسرائيل على طاولة المفاوضات وبأي ثمن حتى لو كانت النتيجة سلبية فقد بدا وكأن الرئيس أوباما كان يريد استمرار حملة العلاقات العامة حول "السلام في الشرق الأوسط" ولكن من دون اي مضمون من النتائج الفعلية.

التحدي الأكبر الآن هو غياب أية خطة بديلة وأسوأ الخيارات هو استمرار الوضع الراهن. اسرائيل سوف تواصل مسلسل الاستيطان والتهويد ونهب الموارد ومحاولة محاصرة الحقوق المدنية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 والشعب الفلسطيني سوف يواصل المعاناة تحت الاحتلال والحصار وانقسام القيادة ، ولكن المطلوب الآن أن تلعب الدول العربية دورا أكبر وأكثر تنظيما مع المجتمع الدولي في ابقاء الملف الفلسطيني على رأس أولويات العمل السياسي الدولي ولكن الأهم من ذلك ابقاء الصوت والموقف العربي هو الأهم في المنطقة وعدم السماح بتدخلات سياسية خارجية لا تعمل على تحقيق المصالح الفلسطينية في انهاء الاحتلال وانشاء الدولة المستقلة.

في الأيام القادمة ، سوف تظهر الخطوة الأميركية التالية بعد التملص الحالي ، والتي قد تكون مزيدا من الانكفاء نحو الداخل وتركيز الرئيس أوباما على المصاعب التي يواجهها في حكم دولة منقسمة على ذاتها سياسيا ولكن تداعيات هذا التملص والتي سوف تظهر من خلال خيبة أمل ومزيد من الاحباط للمؤمنين بالسلام وربما تقوية المؤمنين بالصراع وأصحاب المواقف المتطرفة سوف تجعل الادارة الأميركية تنتبه ولو متأخرة للخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبته ، ولكن المطلوب الآن هو موقف عربي سريع وفعال يعيد القضية الفلسطينية الى الساحة السياسية الدولية بنفس مفرداتها الأصلية كشعب تم تهجيره قسرا بسبب الاحتلال ، ولا حل الا زوال هذا الاحتلال.