في العالم الثالث، والعالم العربي جزء منه، تختلف الدول في البعد أو القرب من الديمقراطية كما عرفناها أو كما تريدها الشعوب، وتتباين مواقفها سواء في القبول بها كآلية أو مرجعية، أو في الرفض لها والاستعاضة عنها بنظم شورية أخرى تتوافق مع قيمها الثقافية أو تركيباتها الاجتماعية.

لتحقيق نفس الأهداف، أو بالوقوع تحت نظم استبدادية لا تحترم الشورى ولا الديمقراطية ولا تأبه بالإرادة الشعبية، وتقبض على السلطة بالقوانين العسكرية والأمنية، وليس بالوسائل الدستورية والسياسية.

ومن هنا ينتج اختلاف المفاهيم الديمقراطية في العالم باختلاف الخصوصيات والقيم الثقافية، والمرجعيات الأخلاقية.

كما نتجت التطبيقات المتعددة من تعدد طبيعة التوازنات الطبقية، والعلاقات الاقتصادية والواقع الاجتماعي لكل شعب من الشعوب، بما أنتج عشرات من قوانين الانتخاب، وعشرات الدساتير التي تحدد شكل مؤسسات الحكم، وطريقة انتقال السلطة التنفيذية، ومدى سلطات الحاكم ومدى مسؤولياته في المقابل..

وأكثر من عشرات الأشكال من القوانين المنظمة لصلاحيات «السلطة التشريعية» في الرقابة على «السلطة التنفيذية» وتشريع القوانين التي تنظم علاقات قوى المجتمع، أو المحددة لضمانات استقلال ونزاهة «السلطة القضائية»، وأكثر منها تلك المطلقة أو المقيدة لحرية الصحافة أو لما يسمى «السلطة الرابعة»، بينما هي في الواقع قوة تأثير في الرأي وليست سلطة عليه كباقي السلطات الثلاث الأخرى.

وعادة ما يثور الجدل في دول عديدة من هذا العالم بين أطراف العملية الديمقراطية أحيانا، أو اللاديمقراطية غالبا، خصوصا في أعقاب الانتخابات، بأن تلك الصياغات أو التطبيقات وهذه التشريعات أو الممارسات، ليست هي الديمقراطية السليمة.

وأن ذلك كله ما هو إلا خداع للنفس أو خداع للناس والتفاف على جوهرها، وهو المشاركة الحقيقية في صنع القرار، إما بتغييب لأهدافها أو بتقييد لوسائلها، أو بتطبيق شكلي يفرغها من مضمونها، أو بتزييف لإرادة شعبها.

ومع ذلك كله، فليس هناك خلاف كبير بين الجميع على أن مضمونها في تصور سهل «أن يكون الشعب هو مصدر السلطات فعلاً لا قولاً»، وهو الذي يحكم نفسه بنفسه لنفسه، مباشرة أو من خلال نوابه.

بالشكل الذي تتوافق عليه تياراته الوطنية المختلفة، بإرادة حرة تتوفر لها الضمانات الدستورية والقانونية الحقيقية لا الشكلية، وفقا لهويته الثقافية وواقعه الاجتماعي وأهدافه الوطنية.

وفي النهاية.. تبقى للديمقراطية أشكالها التي تدل عليها، من احترام حق الوصول للسلطة بإرادة الناس وفقا للآليات الديمقراطية، وحرية تداول السلطة وفقا للقواعد الدستورية.

وتحديد الفصل مع تحقيق التوازن بين السلطات الثلاث، مع إعلاء الإرادة الشعبية بكل وسائل ومؤسسات ونقابات وجمعيات المجتمع على كل السلطات، وكفالة حرية التعبير مع مسؤولية هذا التعبير عن كل ما يضير الفرد أو المجتمع.

وأهم عنصر في ذلك كله، هو وضع التشريعات والقواعد والآليات والضمانات لإجراء انتخابات أو استفتاءات نزيهة، بآليات محايدة وبمشاركة كل القوى السياسية أيا كانت مرجعياتها الفكرية..

وذلك بوضع قانون للانتخابات عادل ومتوازن ومتوافق عليه، لا يستثني أحدا في ممارسة حقوقه وحرياته السياسية، سواء حقه في الترشيح دون شروط تعجيزية، أو بالتصويت دون ترهيب بدني أو ترغيب مالي، في اختيار نائبه أو حاكمه على كل المستويات، بحرية كاملة وبإشراف للسلطة القضائية بسيادة واستقلال كامل، بما يكشف بشفافية عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

ومع أن مفهوم الديمقراطية يختلف عن معنى الحرية إلا أنها تستند إليها، فالحرية هي جوهر الديمقراطية التي تعني سلطة الشعب الحر، والحرية تعني حرية صياغة واختيار شكل ومرجعية هذه السلطة، وهي كآلية سياسية ترجمة لحق الشعوب في حرية اختيار النظام السياسي بأية مرجعية فكرية تؤيدها الغالبية الشعبية بالتصويت بكل حرية في انتخابات حقيقية.

غير أن كل تلك المصطلحات البراقة لا تتعرض عند التطبيق للتحريف فقط، بل للتزييف أيضا، وكثيرا ما رأينا ونرى معها مصطلحات أخرى، مثل الشرعية والسيادة ومحاربة الإرهاب والدولة المدنية والتحرير والتنوير والتعددية والعلمانية، تتخذ قناعا لممارسات لا تكتفي بالتحريف أو بالتزييف فقط، بل للانقلاب على الحرية والديمقراطية والحقوق الإنسانية، بعكس معانيها!

وإذا كان صحيحا أن الحرية وحدها لا تدل على الديمقراطية الحقيقية، فإن الصحيح أيضا أن لا ديمقراطية بلا حرية.. ولهذا لا يمكننا في النهاية قبول قمع الحرية الفكرية والسياسية لأي تيار وطني في أي بلد تحت أية دعوى لأنها المقدمة الأولى لكل أشكال الديمقراطية.

ولا تغييب العدالة الاقتصادية والاجتماعية لأنها أهم الحقوق الإنسانية، سواء بالتشريعات القانونية أو بالألاعيب الانتخابية بحجة إنقاذ الحرية من الحرية، أو لحماية الديمقراطية من الديمقراطية!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com