احتمال أن تتحول إيران إلى دولة نووية، مقرون واقعياً بكونها دولة إسلامية متشاطئة مع العرب في دول الخليج العربي، ومتواشجة مع الجغرافيا التاريخية والدينية للجزيرة العربية والعالم العربي بكامله، الأمر الذي يعكس البُعدين معاً.

فإيران النووية احتمالاً هي إيران خليجية بامتياز، وهذا يعني أن ما يجري في إيران ينعكس على دول مجلس التعاون والجزيرة العربية، اليوم وغداً وبعد غد.

والانعكاسات المحتملة تقاس بترمومتر التوتر في العلاقات بين إيران والإدارة الأميركية الراهنة، التي تلهث وراء حرق المراحل قبل الزوال المحتمل لعرّابيها المتصهينين في الانتخابات الرئاسية القادمة.

وفي المقابل، لا تُخفي طهران نواياها المتعلقة بالإقليم الجغرافي المجاور، إذا ما شنّت الولايات المتحدة حرباً «نارية» على إيران، فقد صرّحت القيادات الإيرانية أكثر من مرة.

بأن دائرة الحرب لن تقف عند تخوم الحدود الإيرانية، وأن حركة التجارة الدولية عبر مضيق هرمز ستكون عرضة للتوقف، فيما تصبح آبار النفط العربية في الضفة الأخرى من الخليج مساحة إضافية لتدوير معادلة الحرب.

ما زال ماراثون الكر والفر على عهده بين الإدارة الأميركية وطهران، فبالقدر الذي تزايدت فيه الضغوط الدبلوماسية الأميركية على إيران، سارعت إيران في تخصيب اليورانيوم وإنتاج الماء الثقيل لتصل إلى «منزلة بين المنزلتين»، بل إن الأمر قد بلغ خواتمه، عطفاً على تصريحات إسرائيلية تقول بأن في وسع إيران إنتاج قنبلة نووية في القريب العاجل.

لقد قطعت إيران شوطاً في الإنتاج النووي الإيراني لأغراض سلمية، وبالتالي فإن اختصار المسافة الزمنية بين الإنتاج السلمي والحربي ستصبح من باب تحصيل الحاصل، فإيران تتوفّر الآن على ثلاث منشآت نووية عملاقة.

وتنجز المزيد والمزيد من التقدم التقني على درب التخصيب وإنتاج الماء الثقيل، وتشارف عملياً على اختصار المسافة بين الجنة والنار! بين فوائد الإنتاج النووي السلمي، والنيران الحارقة المميتة للإنتاج النووي الحربي.

هذه الحقيقة الموضوعية التي ترتعب منها إسرائيل، وضعت إدارتي البيت الأبيض وتل أبيب في مأزق حقيقي، فيما بادر حكماء أوروبا الغربية إلى تقديم النصائح العملية لليمين الأميركي المتفلّت، والذي ما زال مؤثراً في السياسة الخارجية الأميركية.

قبل مدة صرح رئيس الوزراء الايطالي (السابق) «رومانو برودي»، ناصحاً الإدارة الأميركية بالبحث عن طريق آخر لمعالجة المشكلة النووية مع إيران، وهكذا فعل وزير الخارجية الفرنسي حينها، مستبعدين معاً خيار الحرب ومعتبرين أنه أسوأ الخيارات وأكثرها مدعاة للقلق.

يمكن قراءة المشهد النووي سلماً وحرباً، عطفاً على ما يجري الآن في إيران، فعلى المستوى الداخلي الإيراني، وبالترافق مع صعود مجد السلطة الدينية وتقلّص الفارق الزمني والسياسي بينها والسلطة السياسية، نتيجة تعمْلق الرئيس احمدي نجاد وتعزيز مواقع «الملالي» في البرلمان والأجهزة التنفيذية، فإن خيار التراجع الإيراني أصبح أبعد من أي وقت مضى.

ولعل تطورات ما بعد حربي العراق وأفغانستان، وضعت الترمومتر السياسي الإيراني في محرقة المشاهدة الحزينة لمصائر الحربين وخسارات طهران المؤكدة.

فالإدارة الأميركية لم تكافئ إيران على سكوتها المقرون برغبة دفينة في تصفية الحسابات مع بعث العراق وراديكاليي طالبان، بل باشرت إثر الحربين هجوماً مُنسقاً، وبرنامجاً عملياً لمحاصرة إيران سياسياً، وهو الأمر الذي كانت نتيجته المباشرة تقوية التيار الأكثر تشدداً في طهران.

ومن سخريات القدر أن الإدارة الأميركية لم تُفلح في تقليص نفوذ الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، بل عجّلت بمقدمات فتوته وتعملقه، ابتداءً من إيران وحتى حركة «المحاكم الشرعية» في الصومال.

كما أن استمرار التعنّت الأميركي ضد الأنظمة العربية، عزّز من مواقع الإسلام السياسي استناداً إلى كماشتي القهر الخارجي والداخلي التي تعيشها شعوب المنطقة العربية.

القهر المقرون بالتماهي المطلق بين أميركا وإسرائيل وما يستتبعه من ظلم يومي فادح في حق الفلسطينيين العرب، والقهر المقرون باستبداد بعض الأنظمة العربية وتفرغها للاشتغال على شعوبها، محاصرةً وفقراً.. ترغيباً وترهيباً.

مرة أخرى واستطراداً على المقدمة؛ فإن إيران النووية المحتملة ستكون خليجية واقعياً، وبالتالي فإننا أقرب الناس إلى النيران الحامية لأي صدام قادم في المنطقة.

وعلى المراقب العربي أن يضع في حسبانه هذا المؤشر الخطير، وأن نعمل سويّة على محاربة ثقافة الحرب المستعرة التي تتبنّاها أميركا خدمة لثقافة نشر الخوف المرضي«الفوبيا» لليهودية المدمرة.

ولقد آن الأوان لأن تنتهي «القطيعة الناعمة» غير المبررة بين طهران والعواصم العربية، بحثاً عن تشارك في الرؤية، وإقراراً بأن مصيرنا المشترك أهم من كل التفاصيل الصغيرة الأخرى.

كاتب يمني

Omaraziz105@gmail.com