يعتبر سلوك كوريا الشمالية أخيراً، شبيهاً بسلوك طفل مشاكس يفتقد اهتمام الآخرين به. ففي عام 2003، انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة حظر الانتشار النووي، وفي عام 2008 انسحبت من منتدى الدول الست الذي تشكل نتيجة لهذا الانسحاب.
وبعد أن أصبحت منبوذة دبلوماسياً ومحطمة اقتصادياً، تحاول أن تذكر العالم بوجودها من خلال هذه الاعتداءات. في مارس الماضي، قامت بنسف سفينة حربية تابعة لكوريا الجنوبية، ما أسفر عن مصرع 46 بحاراً.
وأخيراً، كتبنا تعليقاً حول كشف كوريا الشمالية برنامجاً متقدماً لتخصيب اليورانيوم لعالم أميركي. ومنذ ذلك الحين، قامت بقصف جزيرة «يونبيونغ»، مما أسفر عن مصرع أربعة أشخاص، وهو أخطر اعتداء على الأراضي الكورية الجنوبية منذ التوقيع على الهدنة عام 1953.
وفي الوقت الذي تجري أميركا وكوريا الجنوبية مناورات بحرية قبالة شبه الجزيرة الكورية، هددت كوريا الشمالية بشن حرب شاملة. ربما يكون تصرفها هذا طفولياً، ولكن استفزازاتها المتهورة تعرض الاستقرار في شرق آسيا للخطر.
لا يوجد بلد له حصة أكبر في هذا الاستقرار من الصين، التي اقترحت أخيراً إجراء محادثات طارئة بشأن هذه المسألة في بكين الشهر الجاري، فيما اعتبر تطوراً، ويستحق الإشادة، لولا أنه جاء متأخراً.
وتردد الصين ينبع من رغبتها في عدم التفريط في علاقتها مع كوريا الشمالية، على أمل كبح جماحها ومنعها دفع كوريا الجنوبية وحليفتها أميركا في اتجاه انتقام واسع النطاق. ولكن إذا كان سيتم إجراء المحادثات، فإن الصين لا يمكن أن تتوقع أن تقدم سيؤول تنازلات في أعقاب الهجوم على أراضيها.
في الوقت نفسه، فإن الإشارة إلى امتلاك كوريا الشمالية برنامجاً لتخصيب اليورانيوم، ليس بالأمر الجديد، ذلك أن إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش كانت قد أخبرت «بيونغ يانغ» أنها على علم بأنها تمارس هذه الأنشطة.
والأمر المثير بشأن ما كشف عنه البروفيسور «سيغفريد هيكر»، هو مدى ما يمتلكه الكوريون الشماليون من حيث تركيب أجهزة طرد مركزي لها القدرة على تخصيب اليورانيوم إلى حد الاستخدام في تصنيع الأسلحة. وهذه الوسائل المتقدمة تشكل تحدياً رهيباً للاستراتيجية النووية التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما في إبريل الماضي، وتحدياً لاتفاقية منع الانتشار النووي التي تدعم هذه الاستراتيجية.
وفي غمار التعامل مع هذا التهديد، فإن أول شيء يتعين القيام به هو الاعتراف بما عليه حال كوريا الشمالية، من انهيار اقتصادي وعزلة دبلوماسية، رغم سعيها بشكل متزايد، منذ الاضطراب الاستراتيجي الناجم عن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، إلى توصيل صوتها من خلال التباهي بقدراتها النووية وما تمتلكه من صواريخ باليستية.
ومنذ انسحابها من معاهدة حظر الانتشار النووي في 2003، تشكّل منتدى المحادثات سداسية الأطراف، الذي يشمل أيضاً الصين واليابان وكوريا الجنوبية وروسيا والولايات المتحدة. وحتى الآن، لم تثبت الدول الأعضاء في المنتدى أنه أكثر فاعلية من إطار الأمم المتحدة السابق.
تريد «بيونغ يانغ» إجراء محادثات ثنائية مع واشنطن بهدف تطبيع العلاقات، ولكن ذلك سوف ينجم عنه ابتزاز نووي. والطريقة المثلى للتعامل مع التصعيد الكوري الشمالي الأخير، هي استئناف المحادثات سداسية الأطراف، على وجه الخصوص بسبب الدور البارز الذي لعبته بكين فيها.
فلو أن أي طرف لديه نفوذ على الكوريين الشماليين، فإن هذا الطرف لن يكون إلا الصين، التي تقدم لها سبل النجاة المتمثلة في الغذاء والطاقة، وتعتبر أكبر شريك تجاري لكوريا الشمالية.
والحكومة الصينية لها مصلحة جوهرية في منع جارتها المارقة من إشعال فتيل سباق التسلح النووي في شرق آسيا. وليس أمام واشنطن أي خيار سوى التعاون مع بكين لإضعاف القدرة النووية لكوريا الشمالية.