نشر موقع ويكيليكس لوثائق وزارة الخارجية الأميركية ـ بعدما نشر وثائق عسكرية منذ شهور ـ يطرح من جديد موضوع العلاقة بين حماية الأمن القومي من ناحية، وحق الشعوب في معرفة ما تفعله حكوماتها من ناحية أخرى. وتلك في الواقع جدلية قديمة قدم الديمقراطية نفسها.

فالسؤال الذي يعاد طرحه يتعلق بالميزان الدقيق الذي يحقق الاثنين معا ـ الأمن والحرية ـ لا واحدا على حساب الآخر. ولأن الحكومات عادة هي التي تملك السلطة والقوة والمعلومات، فإنها في معادلة غير متكافئة مع الشعوب.

ولذلك يتحتم أن يشارك الناس في تحديد المعايير التي يتم على أساسها فرض السرية أو حجب وثائق بعينها، كما يتحتم أيضا أن تعرف الشعوب من المسؤول عن فرض السرية، وما هي حدود صلاحياته وحجم التفويض المقدم له.

فعلى سبيل المثال، كان كلينتون قد أصدر قرارا في 1997 يقضي بأن تقتصر تلك الصلاحية على عشرين شخصا فقط في الحكومة الأميركية. لكن من خلال إمكانية التفويض الممنوح لكل منهم، وصل العدد الأجمالي للذين يملكون صلاحية حجب المعلومات والوثائق، إلى ما يربو على الألف وخمسمئة شخص.

والحقيقة أن الحكومات في العالم كله ـ إذا ما تركت لتفضيلاتها ـ تميل للسرية والتعتيم على ما يجرى في أروقتها. فالتعتيم يجعل مهمة الحكام أكثر يسرا وأقل مخاطرة. فأنت لا تعرف أصلا ما تفعله الحكومة حتى تسعى لكشفه، ومن ثم فإنه من خلال التعتيم يتجنب المسؤولون المساءلة القانونية. ثم إن حجب المعلومات المثيرة للجدل، ببساطة يجنب المسؤولين أيضا وجع الدماغ.

معنى ذلك أن حرية المعلومات لا تحصل عليها الشعوب برضى الحكومات، وإنما بضغوط قوية تنصاع لها الحكومات مرغمة، والتي عادة ما ترفض الإفصاح بدعوى حماية أرواح الناس أو الأمن القومي، كما تفعل إدارة أوباما الآن بلسان وزيرة الخارجية التي اعتبرت نشر الوثائق تهديدا «للمجتمع الدولي» يعرض «حياة الكثيرين للخطر».

والخبرة العالمية تشير بوضوح إلى أنه في كل مكان في العالم، بما في ذلك أعتى الديمقراطيات، تكون السرية والتعتيم هي المفتاح لأغلب الأمراض السياسية، من الفساد المالي والسياسي إلى القضاء على الديمقراطية ذاتها.

ففي أميركا مثلا، كانت فترة بوش الابن انقلابا حقيقيا، ليس بسبب ما فعله بوش بالسياسة الخارجية، وإنما بسبب التقويض المنظم لأسس الديمقراطية الأميركية نفسها، والذي اعتمد في جوهره على حجب المعلومات حتى عن المؤسستين التشريعية والقضائية، بدعوى «حماية الأمن القومي».

والحقيقة أن إدارة أوباما لم توقف ذلك التوجه، الذي يقوم على التعتيم والسرية في بلد دستوره وقوانينه تؤكد على حق المواطن في المعرفة والحصول على المعلومات.

غير أن المفارقة الحقيقية التي يكشف عنها تسريب تلك المعلومات، هي أنه كلما ازداد حجم التعتيم زاد تسريب الوثائق. فقد ذكرني نشر وثائق وزارة الخارجية الأميركية بتسريب ما صار يعرف «بأوراق البنتاغون». وهي الوثائق السرية لوزارة الدفاع الأميركية الخاصة بحرب فيتنام، والتي تم تسريبها هي الأخرى في حقبة من التاريخ الأميركي سيطر فيها التعتيم والسرية على الأداء الحكومي.

ومثلما سرب أوراق البنتاغون مسؤول في وزارة الدفاع وتلقاها وقتها أكاديميان في مقتبل عمرهما، صارا اليوم من أهم رموز اليسار الأميركي هما نعوم تشومسكي وهوارد زين، فإن الوثائق التي تم تسريبها حاليا جاء بعضها على الأقل من جندي أميركي خدم في العراق.

فعادة ما يصاحب التعتيم الحكومي، إما رفض واسع للسياسات المتبعة أو إجراءات حكومية أخرى تؤدي دون قصد لتسريب المعلومات، أو الاثنين معا. ففي حالة أوراق البنتاغون، كان الرفض الواسع لحرب فيتنام هو المحرك الأساسي.

أما في حالة «أوراق وزارة الخارجية» إذا جاز التعبير، فإن السبب الحقيقي وراء تسريبها هو تزامن التعتيم الحكومي مع التداول الواسع لقاعدة بيانات مذهلة بين الأجهزة الأميركية المختلفة. فلجنة التحقيق في أحداث سبتمبر كانت قد أكدت أن نقطة الضعف المحورية المتسببة في وقوع الأحداث، هي غياب التنسيق بين الأجهزة الحكومية والأمنية المختلفة.

فعلى سبيل المثال، بينما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يعلم أن زكريا موسوي ينوي تعلم قيادة الطائرات، فإن المكتب حجب تلك المعلومة عن وكالة المخابرات المركزية، التي كانت تعمل جاهدة للتوصل لأي خيط بعد أن وصلتها أنباء عن احتمال تفجير طائرات.

ومن هنا، تم بناء أكثر من قاعدة بيانات في الأجهزة المختلفة، ثم تم الربط بينها بحيث يمكن تداول المعلومات بين تلك الأجهزة. وقد كان معنى ذلك أن المعلومة الواحدة صارت متاحة لعدد أكبر بكثير من العاملين لدى الحكومة.

وتلك هي بالضبط الثغرة التي تم من خلالها تسريب المعلومات. فقاعدة بيانات الخارجية الأميركية متاحة للعاملين في وزارة الدفاع، بمن فيهم الجنود في الميدان.

غير أن أهم ما كشفت عنه تلك الوثائق على الإطلاق، في ظني، هو أن الهستيريا الأمنية التي أصابت أميركا بعد أحداث سبتمبر لم تنقشع بعد. فمن الواضح أن العقلية الأمنية لا تزال تهيمن على صنع القرار.

فوجود 16 جهازا أميركيا تابعا للوزارات والهيئات المختلفة ويقوم بمهام استخباراتية، لم يكن كافيا لتشعر تلك العقلية بالأمن، حتى أن وزيرة الخارجية السابقة ومن بعدها الوزيرة الحالية، طالبتا الدبلوماسيين الأميركيين بالتجسس على المسؤولين الأجانب، مما ينافي كل القوانين والأعراف الدولية.

أما الفضيحة الأكبر التي كشفت عنها تلك الوثائق، فهي في الواقع من نصيب الحكومات التي تقول سرا ما لا تقوله في العلن. والفضيحة جوهرها أن ذلك السلوك يعبر عن فجوة سحيقة، تفصل بين تلك الحكومات وشعوبها. فهي تخفي عن تلك الشعوب ما هي على استعداد لتقوله للأجانب.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com