تعتبر الهجرة النبوية الشريفة ، حدثا مفصليا في تاريخ الدعوة الاسلامية ، فعلاوة على انها تمثل انتقال الرسالة من مرحلة الدعوة الى مرحلة الدولة ، فانها ايضا تعتبر دعوة للمسلمين بان يأخذوا باسباب القوة والمنعة ، ويتخلوا عن اسباب الضعف والعجز والهوان ، فالهجرة في المفاهيم العصرية هي ثورة عقائدية بدّلت احوال المسلمين بشكل جذري ، وعززت حقوقهم وفي مختلف المناحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ومن هنا فلأهمية هذا الحدث المفصلي التاريخي ، والذي يشكل اضافة لما اسلفنا ، بداية انطلاقة للدعوة الاسلامية الى العالم اجمع لاخراج البشرية من الظلام الى النور ، ومن عبادة العباد الى عبادة رب العباد ، اعتبرها الخليفة العادل الفاروق ، بداية تاريخ الامة الاسلامية.

ان المسلمين في مشارق الارض ومغاربها وهم يحتفلون بهذه الذكرى العطرة مدعوون الى التبصر والتفكير في العبر والدروس المستفادة من هذه الذكرى وأهمها دراسة اوضاعهم والبحث عن اسباب تخلفهم ، وتجاسر أمم الارض عليهم ، وتدنيس مقدساتهم في فلسطين المحتلة وغيرها ، ونهب ثرواتهم ومقدراتهم.

ان الاردن العربي الهاشمي ، وهو يصر على الاحتفال والاحتفاء بذكرى الهجرة النبوية الشريفة.. فانه يؤكد شرعيته الدينية ، ونسب قيادته الهاشمية الى بيت النبوة الاطهار ، واصرارها على الاقتداء بسيرة جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاخلاص الى الاسلام العظيم ، دين الحق والفطرة.. دين الوسطية والاعتدال والتسامح ، دين الكلمة الطيبة ، والحوار الهادف..

(وجادلهم بالتي هي أحسن) وهذا ما اكدت عليه رسالة عمان وهي تخاطب العالم اجمع ، مؤكدة ان الاسلام هو دين التسامح الذي يرفض العنف ، ويدين قتل الابرياء مذكرة في كل ذلك برسالة ابي بكر الصديق رضي الله عنه ، الى قادة الفتح (بان لا يقطعوا شجرة ، ولا يعقروا بعيرا ، ولا يعتدوا على الكنائس.. الخ). وهي فيما تضمنته من معانْ وتعاليم سامية استبقت شرعة حقوق الانسان باكثر من 14 قرنا ويزيد.

الاردن العربي وهو يحيي هذه الذكرى ، ويمتثل لدروسها العظيمة فانه لا ينسى اولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، مسرى الرسول ومعراجه الى السموات العلى ، وجهود الهاشميين الابرار منذ الحسين بن علي ملك العرب وشريفهم ، الذي كان اول من تبرع للحفاظ على الاقصى وسار على نهجه الكريم ، الابناء والاحفاد من سادة بني هاشم ليبقى الاقصى وقبة الصخرة ، عزيزا ، مكرما ، مهابا ، وشوكة في حلق العدو الصهيوني.

ومن هنا نجد حرص جلالة الملك عبدالله الثاني على دعم مؤسسة اعمار الاقصى ، وحرصه على تأمين كل ما تطلبه هذه المؤسسة للحفاظ على المسجد وصيانته ، وتزويده بكل ما يلزم ، والحفاظ على القدس وتوظيف كافة امكانات الاردن الدبلوماسية لفضح مخططات العدو الصهيوني ، والعمل لبلورة موقف عربي فاعل وقادر على لجم العدوان الصهيوني ، وقادر على دفع عواصم القرار ، للنهوض بمسؤولياتها ، واجبار العدو الصهيوني على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، والانسحاب من كافة الاراضي الفلسطينية المحتلة ، لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وعاصمتها القدس الشريف ، كسبيل وحيد لنزع فتيل الانفجار.

مجمل القول: في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ، نستذكر دروس الهجرة ، وعبرها وأولها دعوة المسلمين والعرب الى الخروج من مربع الهوان ، والاخذ باسباب القوة والمنعة والعزة ، لتحرير اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين والتصدي للمشاريع الصهيونية العدوانية ، التي تهدد الامة كلها من الماء الى الماء..

(ولينصرنّ الله من ينصره) صدق الله العظيم.