شهدت علاقات السودان العربية تحولا ملحوظا مع تدخل دولة قطر كوسيط في أزمة دارفور.ثم كان حدث استضافة الكويت للمؤتمر الدولي للمانحين والمستثمرين لشرق السودان في مطلع شهر ديسمبر الحالي.
ويكتسب المؤتمر اهمية قصوى في بعث العلاقات السودانية- العربية وبالتحديد الخليجية، ليس على الصعيد الاقتصادي فقط بل على كل الأصعدة. فقد كسر المؤتمر جفوة وحساسية استمرت طويلا، وبالتحديد منذ غزو العراق للكويت عام1991.ففي ذلك الحين، اختارت حكومة الإنقاذ «الثورية» الموقف الخطأ وقررت تأييد الغزو.
وفقدت صديقا عزيزا كريما كان يضع السودان في مكانة خاصة. وبقدر عظم الصدمة كانت ردة فعل الكويت والتي لم تتخيل مطلقا موقف السودان المعادي، ولذلك لم تنجح محاولات رأب الصدع التي بادر بها النظام السوداني.ومن هنا يعتبر المؤتمر فاتحة جديدة لعلاقة سودانية في مجمل المنطقة.
ومن ناحية أخرى، تتحرك قطر بهمة عالية في وساطتها بخصوص الأزمة الدارفورية.ورغم تعقيدات أزمة دارفور، التزمت قطر بصبر نادر وطول نفس ولم تيأس وصرفت بسخاء من أجل إنجاح مهمتها.
ورغم أن البعض يرى ان كل هذا الحماس بهدف سحب الدور المصري في السودان.ولكن مهما كانت الدوافع، فالنظام السوداني يهمه الخروج من هذا المستنقع بأي ثمن. ومع قرب موعد استفتاء تقرير المصير في الجنوب، يتزايد الاهتمام العربي بالسودان في اشكال مختلفة.أنعش مؤتمر الكويت كثيرا من الآمال وسط الإحباط الشامل الذي يلف السودان.
وابتهج السودانيون بنتائجه، رغم أن التزامات المانحين جاءت أقل من تقديرات المشروعات المقدمة وهي بقيمة 4 مليارات دولار، بينما بلغت التزامات المانحين المالية547 .3 مليارات بما في ذلك التزام من حكومة السودان.
يوحي تدشين مؤتمر المانحين بالكويت بمؤشرات ايجابية في اطار العلاقات والتنمية. ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن قد تفيد من تجربة سابقة في التعاون المشترك خلال ثمانينيات القرن الماضي.
فقد اشتهر السفير عبدالله السريّع أو عبدالله جوبا ، الاسم المفضل لدي السودانيين.وكان من اسباب نجاحه التركيز على المناطق الاكثر حاجة لمشروعات التنمية، كذلك المشروعات الأكثر فائدة مباشرة. والاهم من ذلك تجفيف امكانيات الفساد. ويبدو أن الكويت ستحاول مراقبة مشروعاتها مباشرة وبصورة لصيقة.
فقد صرح وزير الخارجية الكويتية بانه سيلتزم بالعمل جنبا إلى جنب مع المسؤولين السودانيين لترجمة التعهدات إلى واقع. كما أن نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي ووزير الخارجية الشيخ محمد صباح السالم الصباح سيزور السودان في 21 ديسمبر الجاري.
ومع المشروعات التي أعلنت لم تفصل كثيرا الا ان معادلة التنمية والربح يجب ان تراعى جيدا.فقد جاء في البيان الختامي أن المبلغ المخصص لاعمار الشرق، سيوجه لتمويل149 مشروعا تنمويا في قطاعات دعم السلام والبني التحتية، و28 مشروعا استثماريا في قطاعات الزراعة والثروة السمكية والتطوير العقاري في الاقليم.
ويجب التأكيد على الحاجة الملحة للصرف والاستثمار في قطاعيّ التعليم والصحة ثم توفير المياه.ومن نافلة القول التأكيد على أن نوعية الاستثمار هي التي تساهم في تمتين العلاقة خاصة حين تكون هناك شواهد يمكن الرجوع اليها.
كان مدخل دولة قطر في مد وتمتين العلاقات أو خلق «مناطق نفوذ» مختلفا.فقد جاء من باب السياسة والدبلوماسية، وهذا مجال صعب وشائك، خاصة لو كان الاختبار حل مشكلة دارفور.فقد طال زمن الوساطة والمفاوضات، وهذا غالبا ما يعني ظهور انقسامات جديدة وبروز فصائل بمطالب اخرى.
وهذه الايام، يزور وفد الوساطة المشتركة بقيادة وزير الدولة بالخارجية القطرية احمد بن عبدالله آل محمود، إقليم دارفور. وقد شهدت الزيارة صدامات دامية راح ضحيتها بعض الطلاب. وأثناء الزيارة، أنهت حكومة الخرطوم اتفاقية ابوجا التي بموجبها وقعت حركة تحرير السودان اتفاقية السلام مع الخرطوم.
واليوم تعلن الحكومة أن حركة تحرير السودان هدف عسكري!كما اعلن الرئيس البشير ان منبر الدوحة هو المنبر الوحيد للتفاوض.وهذا يرتبط بميثاق سلام دارفور أو السلام من الداخل.باختصار، تغامر دولة قطر بكل رصيدها في الولوج في الشأن المعقد خاصة وان النظام يعمل جاهدا على إنهاء أزمة دارفور قبيل إجراء الاستفتاء أي خلال اقل من شهر.
اما الجانب المعقد والمليء بالألغام خلال الفترة القادمة، فهو خاص بالعلاقات مع مصر وليبيا. فالدولتان تبدوان ظاهريا الأقرب للنظام السوداني، ولكنهما الأبعد نفسيا وواقعيا. فالمصريون يكثرون من استخدام صفة ؟ تضايقني كثيرا ؟ في وصف السودانيين، بأنهم حساسون.
وهي صفة تعني في بعض جوانبها عدم النضج، لذلك يتجنب الإخوة المصريون مناقشة كثير من القضايا المشتركة المعقدة بصراحة مع السودانيين خشية إغضابهم. ولهذا السبب بقيت العلاقات المصرية-السودانية سطحية ولا تخلو من النفاق المتبادل، فهي باختصار غير صريحة وبالتالي غير واضحة وملغمة.
فالمؤتمر الوطني الحاكم يرى أن مصر في الفترة الراهنة تلعب على الحبلين :احتمال أن ينفصل الجنوب ويتقسم السودان، أو أن يظل السودان. ووضعت احتمالات التعامل مع كل ظرف. ولذلك يعتقد النظام أن مصر تتعامل معه بنصف قلب بينما هو في الظرف الراهن يحتاج للقلب الكامل بل أكثر.
لذلك ، لا يخلو ميل السودان للوساطة القطرية من مكايدة سياسية ؟ كما يقول شيخ الجماعة.وهكذا يستمر الطرفان في المداراة ولا يعبر أيّ منهما عن مشاعره الحقيقية، وهذا هو مقتل العلاقات السودانية-المصرية، وأخطر ما فيها.
ان العلاقة السودانية-الليبية ليست بعيدة عن نمط«التقية» بل يخشى السودان أكثر نزوات العقيد القذافي وانفعالاته المدمرة. لذلك يرضي النظام السوداني من العقيد «بالذي لو رآه الواشي لقرت بلابله». فالنظام ساكت عن وجود خليل إبراهيم في الجماهيرية، ولو كان في بلد آخر لقلب النظام الدنيا.
وتسمع الخرطوم عن تسليح فصائل دارفورية، ويظل في فمها ماء ولا تستفسر ولا تسأل. والحدث الأخير:عدم حضور الرئيس البشير القمة الأوروبية-الإفريقية، لم يهاجم السودان الدولة المضيفة بل صب غضبه على الدول الأوروبية.
ويحاول السودان أن يكون حكيما ولكن هل يستطيع أن يضمن حكمة العقيد؟ هذه هي العلاقة ذات الالغام وعلى السودان أن يخشاها فعلا.
ويتحدث البعض عن مشروع القذافي الإفريقي الكبير بعد أن كفر بالقومية العربية، وقد تمثل دارفور بعضا من أركان هذا المشروع الطموح.ولكن هذه مجرد تخمينات في الوقت الراهن بسبب الوجود الفرنسي في غرب إفريقيا بالإضافة لازدياد نشاط القاعدة في المغرب وشمال الصحراء الكبرى.وعلى كل حال على النظام السوداني ترتيب علاقاته مع ليبيا بصورة أفضل وأكثر عقلانية.
في حالة انفصال جنوب السودان سيصبح السودان الحالي هو جنوب الإقليم العربي، فهل كل جنوب مضطهد ومتخلف؟ وفي هذه الحالة سنكون مشكلة الجنوب الجديدة بالنسبة للعرب أم سوف تبنى من الآن علاقة تكاملية بين أجزاء الإقليم العربي؟ والمستقبل يبدأ الآن.
كاتب سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
