هناك واقع ملحوظ على الساحة الأورو- أطلسية، وهو أن معظم الدول الأوروبية، وخاصة الكبرى منها يرحبون بانضمام روسيا لمنظومة الأمن الأوروبية، بينما تعارض واشنطن هذا الأمر وتخشى منه على نفوذها في أوروبا، وأمام إلحاح وتصميم الأوروبيين على انضمام روسيا نجد واشنطن تسعى لوضع أسس لهذا الانضمام تضمن لها بقاء نفوذها.
ومن الملاحظ أن قادة الدول الذين شاركوا في قمة روسيا ـ الناتو، في العشرين من الشهر الماضي في العاصمة البرتغالية لشبونة، استخدموا كل عبارات المديح في وصفهم للنتائج التي تمخضت عنها، فثمة من هؤلاء من رأى أنها شكلت نقطة تحول تاريخية، ورأى آخرون أنها مثلت سابقة في التعاون بين الجانبين.
وأشاد آخرون بنتائجها التي ارتقت بالعلاقات بين الجانبين إلى مستوى رفيع، واعتبر آخرون أن ما نتج عن القمة من ضم روسيا إلى منظومة الأمن الغربية، يعتبر نهاية حقيقية لحقبة الحرب الباردة. وحتى في موسكو نفسها صدرت عن شخصيات كبيرة في القيادة الروسية تقييمات مشابهة، فقد اعتبر بعض كبار المسؤولين الروس أن الغرب بدأ ينظر إلى روسيا باحترام متزايد.
واعتقد البعض أن هذا الأمر قد يضايق أطرافاً أخرى عبر الأطلسي، ولكن المسؤولين في دوائر الحكم في واشنطن، كانوا على ما يبدو أكثر الأطراف غبطة بما تحقق، ذلك أن الولايات المتحدة كانت الرابح الأكبر من «صفقة» قمة لشبونة.
فقد تمكنت الإدارة الأميركية من إيجاد حلول لرزمة من المشكلات المستعصية على صعيد السياسة الخارجية والداخلية، على حساب المصالح الروسية، ذلك أن مقررات قمة لشبونة تقوي موقف أوباما في مواجهة الجمهوريين، وما حققه من نجاح في الساحة السياسية الدولية يصب في مصلحته بالدرجة الأولى، ومن المفارقة أن كل المواقف التي اتخذها الوفد الروسي إلى تلك القمة.
تدعم جهود الولايات المتحدة الرامية لإثبات جدوى الإبقاء على حلف الناتو، فقد أخذت روسيا على عاتقها مهمة مساعدة الناتو في التخلص من أعباء مشروعه الفاشل في أفغانستان، وأعطت الضوء الأخضر للمباشرة في إقامة منظومة مشتركة للدفاع ضد الصواريخ.
لا يختلف أحد أن انتهاج روسيا لسياسة عقلانية وحكيمة، يمكن أن يحقق لها مكاسب استراتيجية، لكن ذلك محفوف بمخاطر أكبر، حيث ان واشنطن استطاعت، عبر قمة لشبونة، أن تحصل على تأييد موسكو لمشروعين رئيسيين: الدرع المضادة للصواريخ، وأفغانستان.
ففي ما يتعلق بالدرع الصاروخية اتفق الجانبان على أن يبني كلّ منهما درعاً صاروخية خاصة به، بحيث تتولى روسيا مَهمة إسقاط الصواريخ الآتية من الجنوب والشرق نحو أوروبا، وتقوم المنظومة الأوروبية بإسقاط الصواريخ الآتية من الغرب نحو أوروبا وروسيا، على أن يتولى كل جانب إدارة منظومته بشكل مستقل.
وهذا الاتفاق يعني أن على روسيا أن تدمر فوق أراضيها الصواريخ القادمة من كوريا الشمالية والصين وباكستان وإيران، وما تحمله هذه الصواريخ من رؤوس نووية، أما الدرع الأوروبية فعليها أن تسقط الصواريخ التي تستهدف أوروبا وروسيا، الآتية من المحيط الأطلسي وشمال إفريقيا، ومن المستبعد أن تظهر مثل هذه الصواريخ في المستقبل المنظور.
وفيما يتعلق بالقضية الأفغانية، فقد ضمنت واشنطن موافقة موسكو على استخدام أراضيها وأجوائها لنقل الإمدادات والتموين للقوات الغربية العاملة في أفغانستان، وهذا الأمر يخفف من التكاليف الباهظة لتلك الحملة العسكرية، التي بدأ الأوروبيون يتبرمون ثقلها.
وبالإضافة إلى ذلك تعهدت روسيا بتقديم معونات مالية للنظام في كابول، وبعبارة أخرى فإن واشنطن نجحت في إلقاء الكثير من الأعباء التي كانت تثقل كاهلها على موسكو، وتفرغت لتأمين مخرج من المستنقع الأفغاني بأقل ما يمكن من الخسائر، وبشكل يحفظ لها ماء وجهها.
الواقع أن الخطواتِ، التي أخذت موسكو تتخذُها مؤخراً، على صعيد دعم التحالف الغربي في أفغانستان، لا يَخدُم مصلحةَ روسيا، والسماح باستخدام الأراضي والأجواء الروسية لنقل الحمولات إلى قوات التحالف العاملة في أفغانستان، يمكن النظرُ إليه، بمثابة تعبير عن حسن نية روسيا تجاه شركائها الغربيين.
لكنْ، ما الذي يجعل روسيا مضطرة لإرسال مروحيات إلى أفغانستان؟ وما الفائدة التي يمكن لروسيا أن تجنيها من مشاركةِ جنودِها في عمليات مكافحة المخدرات في أفغانستان، التي تنفذها قوات التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة؟
هذه التصرفات لن تفيد روسيا كثيراً، وسوف تؤدي إلى شَحنِ مشاعر الشعب الأفغاني ضدها، وكلنا نعلم مدى استفحال وتضخم المستنقع الأفغاني الذي تسعى كل الدول للهروب منه، على روسيا أن تنأى بنفسها تماماً عن العملية الأفغانية، التي ستنتهي عاجلاً أم آجلاً بكارثة لقوات الاحتلال الأميركي، مثيلةٍ لتلك التي تجرعتها في فيتنام.
روسيا ليست بحاجة لتقديم مزيد من التنازلات، وكلنا يعلم أن انضمام روسيا إلى العقوبات غير المبررة، التي سعى الجانب الغربي جاهداً لفرضها ضد إيران، ألحق أذى كبيراً ليس فقط بإيران، بل وبمصالح روسيا وبسمعتها، ألا توجد طريقة أخرى للسيطرة على البرنامج النووي الإيراني سوى تضييق الخناق الاقتصادي على الشعب الإيراني والتهديد الأحمق بالقوة؟
ليس ثمة تفسير مقنع لإفساد العلاقات مع إيران، سوى أن تلك الخطوة، اتخذت إرضاءً لخاطر الحزب الديمقراطي الأميركي، ممثلاً برئيسه باراك أوباما، ومساعدته للاحتفاظ بغالبية المقاعد في الكونغرس في الانتخابات التشريعية النصفية.
لكن تلك اللفتة الكريمة من قبل روسيا لم تفلح في تجنيب الحزب الديمقراطي الفشل الذريع في الكونجرس. من الغباء التعاون مع الناتو في أفغانستان، ومن الحماقة بكل المقاييس إفساد العلاقات مع دولة إقليمية كبيرة مثل إيران.
كاتب أوكراني
vladi1949@mail.ru