قرأ الكثيرون، على امتداد عالمنا العربي، بحب وتعاطف، كتاب «أميركا الضاحكة» لمصطفى أمين، منذ عقود عدة، فأثار اهتمامهم بأميركا، التي بدت عبر صفحات هذا الكتاب عالما حافلا بالحيوية والمرح والتوهج والأمل والوعد، وكل ما يمكنك أن تتخيله من تجليات الحلم الأميركي.

يقدم لنا مصطفى أمين في هذا الكتاب أميركا التي «تلهو وتلعب وتبتسم وتضحك، أشبه بشاب مرح ورث ثروة طائلة، لا يعرف كيف يبعزقها، فهو يشعل السيجارة بورقة بنكنوت من ذات الألف دولار، وهو يقيم سهرة عابثة حمراء، ويضع في حوض السباحة شامبانيا بدل الماء، ويدعو المدعوين إلى السباحة وهم عراة».

وعلى الرغم من أنني كنت أول من لفت أنظار القراء العرب إلى كتاب «من الذي يدفع للزمار» الذي يكشف حقائق التلاعبات الأميركية على جبهة الثقافة، خلال الحرب الباردة، إلا أنني لا أعرف ما إذا كان هذا الكتاب هو أحد تجليات هذه التلاعبات.

كل ما أعرفه أن أميركا الضاحكة هذه بالأمس تكشفت عن كيان له اليوم، على ذمة الكاتبة دانا بريست في كتابها «المهمة» نظام أمني عالمي، يتألف من ألف قاعدة عسكرية ومحطة استخبارات ونقطة حصينة، وهناك جزء لا يستهان به من هذا النظام في الشرق الأوسط.

كل ما أعرفه أيضا أنه بين بداية الحرب الباردة والحرب الناشبة حاليا في أفغانستان امتد أفق زمني شمل الحرب الكورية وحرب فيتنام وغزو كمبوديا والتدخلات العسكرية في لبنان وغرينادا وبنما والدومنيكان والسلفادور والصومال ليتوج هذا كله بغزو أفغانستان والعراق، فضلا عن حرب الخليج.

هذا النظام الأمني الألفي لم يأت من فراغ، وإنما هو وليد تطور امتد طويلا، في شكل رحلة من النقيض إلى النقيض.

مادمنا قد تحدثنا عن أميركا الضاحكة، فدعنا نتحدث عن أميركا التي قدمها الآباء المؤسسون للعالم، حلما ووعدا، ولا بأس في هذا الصدد من أن نتذكر سويا قانون الحقوق الأميركي، الذي بلغت أهميته حد إلحاقه بدستور 1787، والذي ينص على حق المواطن الأميركي في حمل السلاح والاحتفاظ به، طالما أن الميليشيات جيدة التنظيم هي أمر ضروري للدولة الحرة.

دعنا نلاحظ أيضا أن الآباء المؤسسين لم ينصوا على الجيش الفيدرالي الأميركي إلا في القسم الثامن من المادة الأولى من الدستور، وشددوا على ألا تكون له مخصصات تتجاوز العامين. أين حلم الآباء المؤسسين ووعدهم من الامبراطورية التي تواجه العالم اليوم بألف قاعدة ومحطة مخابرات ونقطة حصينة؟

لكي نأخذ لمحة سريعة عن هذا النظام دعنا نتذكر مجددا أكبر سفارة لأميركا، وهي القائمة في قلب المنطقة الخضراء في بغداد، عاصمة العراق الشقيق، والتي تعد نقطة حصينة بكل المعاني بما فيها إمكانيات التصدي للصواريخ والقذائف المدفعية.

والمرء لا يملك إلا التساؤل عن طبيعة مهمة مثل هذه السفارة والسر في أنه، حتى هذه اللحظة، يتواصل بناء القواعد الأميركية في العراق بينما المعلن، حتى الآن، أن القوات الأميركية يفترض أن تغادر العراق العام المقبل.

وربما كانت المحطة الأكثر أهمية في التطور الطويل الذي أفضى إلى النظام الأمني الأميركي بقواعده ومحطاته ونقاطه الألف هي الهزيمة الأميركية في حرب فيتنام، فجانب كبير مما أعقب ذلك لم يكن إلا رد فعل من جانب المؤسسة العسكرية الأميركية على هذه الهزيمة المدوية.

المحطة التي تلفت نظرنا عقب ذلك هي في واقع الأمر محطة مزدوجة، قوامها صياغة كولن باول للتحرك العسكري الأميركي بالاستعانة بكثافة هائلة في النيران والرجال.

لتحقيق أهداف محددة بوضوح ومن ثم المبادرة بالخروج تحت مظلة من التأييد الشعبي، وأيضا ما وصف بالثورة العسكرية الأميركية التي اعتمدت تكثيف النيران وخفض قوام القوات إلى أقصى حد ممكن.

أياً كان المستقبل الذي يتصوره صانعو القرار في واشنطن للقوة الأميركية، فإنه قد يكون من الضروري أن يأخذوا في الاعتبار الحقيقة الواضحة والبسيطة والمحددة.

وهي أن هذا النظام الذي ولد للرد على الإحساس الأميركي بالافتقار إلى الأمن «الامبراطوري» لن يمنحها إلا المزيد من الافتقار للأمن، لأن كل هذه القواعد والمحطات والنقاط الحصينة لن تثير إلا المزيد من عداء الشعوب، التي لن تقبل بأحذية اليانكي قدرا مقدرا على أعناقها.