تطال وثائق الخارجية الأميركية، التي سربها موقع «ويكيليكس»، أخيرا، كل قارات العالم وجميع دوله. وهي تتناول كل شيء في العالم. ولكنها تتناول أميركا نفسها، أكثر من أي شيء آخر.
فالوثائق كتبها أميركيون، ليقرأها أميركيون، وهي تمثل المادة الخام الصرفة للسياسة الأميركية.
لذلك، وقبل كل شيء، فإن الوثائق تمثل حكما على أميركا، أقوى دول العالم، والدولة التي لا تزال لديها أعظم قدرة على أن تكون قوة خير أو شر في العالم. ولكن أي وجه لأميركا تكشفه تلك الغابة من الوثائق، التي كتبها دبلوماسيون أميركيون.
الحق أن ملامح الصورة متداخلة. فالعملية الاستخبارية السرية، التي تمت ضد الشخصيات الرئيسية في الأمم المتحدة، ومن بينها الأمين العام للمنظمة بان كي مون، وممثلو الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، تبدو عملية إهانة دبلوماسية واضحة، ويحتمل أن تكون انتهاكا للقانون الدولي.
ومثلها نظيراتها من التوجيهات الاستخبارية التي أرسلت إلى الدبلوماسيين الأميركيين في الكثير من دول إفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، آمرة موظفي الخارجية الأميركية بجمع معلومات عن بطاقات ائتمان وبرامج عمل ومعلومات شخصية أخرى خاصة بشخصيات أجنبية، من بينها أرقام الهواتف التي يكثرون من الاتصال بها.
تلك التوجيهات تعد تجسسا واضحا ومباشرا، مما يجعل الحدود غير واضحة بين الدبلوماسية والجاسوسية بطريقة خطيرة وكارثية. ومن هذا المنطلق يجب على أميركا أن تنظف سلوكها.
ولكن، إضافة إلى تلك الانتهاكات، هناك كثير من الوثائق التي تعكس صورة أفضل كثيرا للولايات المتحدة. ويعتقد كل من ديفيد كاميرون وجورج أوزبورن أن نوعية التقارير التي كتبها دبلوماسيون أميركيون فشلت أحيانا في الارتقاء فوق مستوى ما هو واضح تمام الوضوح أنه صدمة من الناحية السياسية.
لكن الكثير من الوثائق هي من النوع الذي يمكن لشخص مطلع على الأحداث أن يفهم أنه مجرد بعض من بضاعة الدبلوماسية المخزونة. والمثال الواضح على ذلك هو جهود واشنطن لإقناع حلفائها باستقبال بعض سجناء معتقل «غوانتانامو» في إطار جهود إغلاقه.
وبعض الوثائق، من دون شك، يرتفع إلى القمة. فالسفير الأميركي لدى كازاخستان، مثلا، لديه مواصفات المراسل الأجنبي المتميز، حسبما تعكسه تقاريره عن لقاءات غدائه مع مصادره في الأستانة، عاصمة كازاخستان.
وبالمثل، يكتب أحد زملائه المتمركز في العاصمة الروسية موسكو عن حفل زفاف في داغستان. والاهم من ذلك تلك التقارير التي قدمها دبلوماسيون أميركيون كبار، مثل السفير السابق في إسلام أباد، والتي يبدو أنها تمتعت بمعلومات ومصادر وتقييمات جيدة للغاية.
وعلى الرغم من أنه قد يبدو من السذاجة عدم فهم أن هذه التقارير تم استغلالها في تحقيق المصالح الأميركية، وأنها كتبت لهذا الغرض- وإلا فما سبب وجود الدبلوماسيين هناك- فإنه لا يزال هناك فارق مهم بين «الوثائق» و«التصرفات» الأميركية.
وهناك فارق آخر مهم. فقبل أربعين عاما، حاربت إدارة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون صحيفة «نيويورك تايمز» في المحاكم لمنعها من نشر تقارير وزارة الدفاع الأميركية «بنتاغون».
جوهر تلك القضية كان هو أن واشنطن كانت تقوم بشيء واحد وهو توسيع نطاق حرب فيتنام سرا بينما تنفي ذلك في العلن. كانت السرية ستارا يسدل على الحروب التي تخاض، والجرائم التي ترتكب.
الآن، وكما يشير ماكس فرانكل من صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن السرية غالبا ما تستخدم بشكل سخيف، ولا تؤثر كثيرا على سمعة الولايات المتحدة. نعم هناك أشياء يجب على واشنطن الاعتذار عن حدوثها. لكن الكثير من الوثائق يوضح أن الفارق بسيط بين ما تقوله الولايات المتحدة علنا وما تكشف تلك الوثائق حدوثه سرا.