هل العدالة قواعد صارمة تقوم على مبدأ المساواة والمعاملة بالمثل أم هي نمط وجود يصنع أو واقع حي يعاش ويتغير باستمرار؟

مناسبة السؤال صدور كتاب هام أثار المناقشة الواسعة في الأوساط الفكرية العالمية، وتُرجم عن الانجليزية إلى أكثر من لغة. انه كتاب «فكرة العدالة» لمؤلفه عالم الاقتصاد الهندي أرماتيا سِن، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1998، وقد نقله إلى العربية مازن جندلي.

ومع أن سِن هو في الأصل مختص بعلم الاقتصاد، فإنه يتعدى هذا المجال لكي ينخرط في الحقل الفلسفي، مناقشة ومحاججة، ولاسيما أن أكثر نظريات العدالة ألفها فلاسفة. فكيف يقارب سِن المشكلة؟

بالطبع هو لا يبدأ من الصفر. هناك تراث هائل في هذا الخصوص يعود إليه سِن، لكي يستعرض أهم المدارس والنظريات القديمة والحديثة.

على أنه يعود، بشكل خاص، إلى الأقرب إليه زمنياً وفكرياً، ممن عاصرهم أو زاملهم أو أفاد من أبحاثهم، ويأتي على رأسهم الفيلسوف الأميركي جون راولز (1921- 2002) صاحب كتاب «نظرية العدالة»، الذي يعدّ أهم مؤلف في الفكر السياسي، على الأقل، في النصف الثاني من القرن العشرين.

غير أن سن مع تقديره البالغ لراولز واعترافه بالدين المعرفي تجاهه، فإنه يعلن منذ البداية اختلافه معه في المقاربة من غير وجه. والتباين يتجلّى بدءاً من العنوان نفسه: فكرة العدالة، مقابل نظرية العدالة عند راولز. وهناك فارق كبير بين المفردتين في الرؤية والمنطق.

إذ النظرية هي مجردة، مبدئية، فوقية، مؤسسية، بقدر ما تحيل إلى ما هو متعالٍ أو كلي أو ضروري، أو يقيني، في حين أن الفكرة تحيل إلى ما هو نسبي أو متحرك أو متغير أو متعدّد، بقدر ما هي حيّة، ملموسة، تتعلّق بممكنات العيش والقدرة على صنعها وبنائها.

من هنا يحرص سِن، على امتداد كتابه، على ابراز الفارق بينه وبين راولز في نقطتين تتميز بهما مقاربته: الأولى أنها ليست كاملة. بمعنى أنها لا تقفل النقاش ولا تدعى اليقين، بل تبقى قيد المراجعة والتعديل أو التطوير، في ضوء المستجدات من التطورات والأزمات؛ والثانية أنها تعدّدية وليست أحادية.

فالاقتصادي الهندي يعيش في زمنه فكرياً، ولذا ليس هو مع صوغ نظريات شمولية تدعي تفسير كل شيء، بل هو مع المقاربات المركبة المفتوحة على الواقع بتنوّعه وتعقيده وحراكه، من هنا كلامه على «أكثر من منطق» في فهم مسألة العدالة، كما جاء في مقدمة الكتاب.

وهذا يعني أن هناك أكثر من نموذج عقلاني في المقاربة والمعالجة. ولهذا الاختلاف في منطق المقاربة، وجهه الآخر المتمثل في الاختلاف في المقصد والغاية. فسِن لا يريد أن يقدم بحثاً في ماهية العدالة لكي يقول للناس هذه هي النظرية الصحيحة، والكاملة، التي إذا ما أخذ بها وجرى تطبيقها نصل إلى المجتمع العادل أو الفاضل أو السعيد.

هدفه هو أكثر تواضعاً، إذ يتمثل في رفع الظلم أو إزالة الغبن كما يتجسم في شواهده وأمثلته الحيّة والملموسة. من هنا انفتاحته على ما يشعر به الناس ويفكرون فيه، واهتمامه بما يقدّرونه أو يقْدرون على انجازه، كأفراد يفعلون ويؤثرون بقدر ما يختارون أنماط حياتهم.

بهذا نصل إلى لبّ المسألة، أعني المفاهيم التي يصوغها دارس العدالة في مقاربة موضوعه، ويأتي على رأسها مفهوم «القدرة» الذي ما انفك، منذ صدور الكتاب، يثير الاهتمام والنقاش، أو الالتباس، إن من حيث شرحه وتعريفه، أو من حيث ترجمته من الانكليزية إلى اللغات الأخرى.

والتركيز على مفهوم القدرة يرمي إلى تجاوز المقاربات ذات الطابع التوزيعي كما نجدها لدى أصحاب المذهب النفعي، حيث العدالة تقاس بالمؤشرات الاقتصادية أو «الخيرات الاولية»، بحسب مصطلح راولز، أي بما يناله المرء من الانصبة والحقوق في أمور الدخل والثروة والسلع والأدوات، وسواها من وسائل العيش وصلاح الأحوال. هذه أمور ضرورية، ولكنها ليست كافية. فالعدالة، في نظر سِن، تتجاوز الوسائل نحو الغايات، بقدر ما تتعدى الموارد نحو القدرات.

وللتمييز بين المعنيين، أي بين المورد والقدرة، يضرب سِن بعض الأمثلة المفترضة، كالشخص الذي قرر البقاء في بيته ليقوم ببعض الأعمال، ثم أتى من يهدده ويطلب منه البقاء في البيت وإلاّ تعرّض للأذى، فهو قد ينجز نفس العمل في الحالين، ولكن مع فارق انه في الحالة الثانية ينجزه مضطراً، أما في الحالة الأولى فإنه يمتلك الحرية في الانجاز، بل في تغيير رأيه وموقفه.

وهكذا تتعدى العدالة، من حيث مفهومها، الابعاد الاقتصادية والحضارية، وحتى القانونية، لكي تكتسي بعدها الوجودي، بقدر ما تعني حرية المرء وقدرته على الفعل والانجاز، بخلق الفرص وإنتاج المواقف أو إيجاد البدائل، وفقاً لما يقدّره من القيم التي تجعل الحياة، في نظره، أهلاً لأن تُعاش.

قد لا يكون سِن هو أول من استخدم مصطلح «القدرة»، ولكنه اشتغل على المفهوم وأعاد صوغه وبناءه وإثراءه بفتحه على ممكناته، وذلك بربطه بسواه من المفاهيم، كالحرية والانجاز والفرصة والمساواة والديموقراطية والسعادة والفاعلية...

وأنا أوثر كلمة فاعلية لترجمة كلمة (فهمَك؟)، بدلاً من كلمة «مشيئة» التي تحيل إلى معانٍ ماورائية. فالفاعلية هي أقرب إلى المعنى الذي تشير إليه كلمة «فاعل» المتداولة اليوم في العلوم الاجتماعية.

من هنا لا يتوقف سِنْ، على امتداد كتابه، عن شرح مفهوم القدرة وإعادة تعريفه، بشيء من التكرار، إلى حدّ يوقع قارئه ومترجمه في اللبس والحيرة، أو يجعله يشعر بأن سِنْ نفسه يكاد يتخبّط في شرحه لمفهومه، بالانتقال من المعنى إلى نقيضه...

لعلّ هذا شأن المفاهيم والنظريات التي تتسم بالغنى والكثافة والتعقيد، إذ هي تقبل شروحات وقراءات متعددة ومختلفة إلى حدّ الالتباس والتعارض. والتعارض هو سمة الوجود الإنساني، كما يشهد تاريخ قضية العدالة. فالإنسان لا يكف عن المطالبة بالعدالة أو الدعوة إلى تطبيقها.

ولكن أعمال البشر تؤول بهم دوماً، ومن حيث لا يحسبون، إلى خلاف ما يفكرون فيه أو بعكس ما يريدونه، لأن ما يسكتون عنه وما يجهلونه من أمر أنفسهم، هو الذي يقودهم ويتحكم بهم في النهاية.

وإلا كيف نفسر ما تنتجه المجتمعات من التفاوت والتمييز والتهميش والإقصاء؟ كيف نفهم أن تكون المآلات هي بخلاف الادعاءات، بالرغم من كل أشكال التنظيم السياسي والهندسة الاجتماعية، وبالرغم من كل هذه العهود والوعود من جانب أصحاب الدعوات والفلسفات؟ من هنا تبدو العدالة بمثابة استثناء.

وأما الظلم فهو القاعدة. سيما وأن الإنسان هو استثناء على قوانين الطبيعة. والعدالة إن لم تكن مستحيلة، فإنها ثمرة تسويات واتفاقات تخرق باستمرار، بقدر ما تحتاج على الدوام إلى إعادة التسوية والصياغة، على سبيل الترقيع والترميم. ولذا، فإن طالب العدالة مثله مثل سيزيف مع صخرته التي تقع كلما حاول رفعها إلى الأعلى، ولذا فهي تحتاج إلى أن تُرفَع باستمرار.

وتلك هي المفارقة كما يشهد مثال أرماتيا سِن، العالم الباحث عن الوسائل والقواعد التي تخفف من وقع الظلم، فيما هو شخص أقبلت عليه الدنيا بكل حظوظها، لكي يمارس ازدهاره الوجودي نجاحاً باهراً ومجداً أدبياً ومكانة عالية ونجومية عالمية.

كاتب لبناني

harb@cyberia.net.lb