التحديات، كلمة توسعت إلى مصطلح غزا خطاباتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحتى الرومانسية.

وإن كان الأمر لا يخلو أحيانا من موضة فكرية تهب على جموع المثقفين، إلا أن كثرة طرق هذا المصطلح لأبوابنا، يدلل حقيقة على أن خلف هذه الأبواب فعلا تقبع مخاطر جمة ومتراكمة.

مثلما هي الحالة العامة لأي أمة، يكون خطابها. ففي الأفراح تشيع متلازماتها في اللغة، وكذلك في الأتراح. ونحن كأمة، لا ندري إن كان هذا الوصف ما زال صالحا، نعيش حقبة موروثة من إحباطات متراكمة، إذ كلما دهمنا تحد هربنا إلى الأمام أو حول، ليبقى يطاردنا أبدا.

لا غرابة إذن أنه لم يبق متسع في قواميسنا لغير «التحديات». محاولة واحدة تكفي لترتيب هذه التحديات حسب خطورتها، ومن ثم البحث عن خريطة طريق للمواجهة:

أولا: التغير المناخي وظاهرة الاحتباس الحراري، التي تهدد لا أمتنا فحسب بل كوكبنا، وأخطر ما في هذا التحدي أنه غير ظاهر للعيان فلا يحس بخطره سوى العالمين ببطونه، رغم أن بطون العامة ستفرغ عما قليل، حين يشح المطر والثمار.

فضلا عن الكوارث الطبيعية، التي رأينا حقيقتها في عجز «نمور آسيا» أمام «تسونامي»، بل ان قاعدة التكنولوجيا في الشرق الأوسط (إسرائيل) استغاثت بالعالم لمواجهة حرائق الكرمل. لكل ذلك ثمن باهظ سيكون في قوت الناس وبقائهم على هذا الكوكب.

ثانيا: السباق النووي، ولأنني مع الكثيرين لا ندري، لم تنفق دول فقيرة، تعيش نسبة كبيرة من أبنائها في ما يمكن تسميته بيوت طينية، أو يتقون المطر والحر تحت جسور الطرقات.

لم تنفق هذه الدول (كإيران والهند وباكستان) مبالغ باهظة في برامج نووية مثيرة للجدل والقلق. لم هذا السباق وهناك على الأرض ما يكفي من قوة نووية لتدمير كرتنا المسكينة عشرات المرات ونثرها في الغلاف الجوي.

ثالثا: النزاعات المسلحة بيننا وبين قوى أجنبية، وهذه حقيقة -عدا مناوشات ليبية سودانية مع أطراف إفريقية ـ تتركز في الصراع العربي الإسرائيلي.

وهنا فإن مخاطر كنا خلنا أننا نسيناها تطل مجددا أكثر قوة، فبعد اتفاقات السلام، ومذكرات التفاهم وأشهرها «أوسلو» عادت القيادة الفلسطينية إلى أرضها، وتنفس العالم وبعض العرب الصعداء.

فأهل مكة عادوا لشعابها وليدبروا أنفسهم، مع بعض المساعدة العربية والدولية المكالة بالميزان، ووجد الفلسطينيون أنفسهم وحيدين على موائد المفاوضات، بعدما شربوا خدعة «القرار الوطني المستقل».

انسدت الطرق حاليا، وعادت التهديدات بحل السلطة الفلسطينية وقذف القضية برمتها في وجه المجتمع الدولي، بينما تتردد في الأجواء مقترح حركة «فتح» الأول: دولة واحدة ديمقراطية تهضم كل الأطياف.

رابعا: الصراعات الإقليمية، التي تغذي نزاعات وتناقضات داخلية، والمجال يطول في التعداد من اليمن والحوثيين وامتدادهما في السعودية، إلى السودان والجنوبيين، إلى لبنان و«إمارة الجنوب»، وغزة و«إمارة حماس»، فضلا عن أقباط مصر، كل هذا وما زلنا نحمل مصابيح« ديوجين» باحثين عن البيت العربي.

خامسا: الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تؤسس لنزاعات وربما حروب من نوع جديد، مع تفاقم المشكلة باتساع حاجات الانفجار السكاني على الأرض ومحدودية موارد هذا الكوكب.

كان الله في عون جميع القمم، من قمة مجلس التعاون، إلى القمة العربية، إلى العشرين، والخمسة الكبار، والاميركتين، والناتو، والكومنولث، والتعاون الأوروبي.. وغيرها الكثير، فالتحديات تتناسل ويشتد عودها أسرع من كل القمم.

Adonis02@hotmail.com