اليوم تجرى انتخابات الإعادة لمجلس الشعب المصري، والنتيجة محسومة مقدماً لصالح الحزب الوطني الحاكم، بعدما أسفرت عنه نتائج الجولة الأولى في الأسبوع الماضي التي اكتسحها الحزب، وبعد انسحاب كل من حزب الوفد (الذي فاز بمقعدين فقط في الجولة الأولى) وجماعة الإخوان المسلمين (التي لم يفز مرشحوها بأي مقعد في الجولة الأولى) من انتخابات الإعادة والتي ستقتصر فيها المنافسة على مرشحي الحزب الوطني (377 مرشحاً) .

وحزب التجمع (ستة مرشحين) وعدد من المستقلين يصل إلى 140 مرشحاً معظمهم من أعضاء الحزب الوطني الذين لم يرشحهم الحزب فاستقالوا ودخلوا الانتخابات كمستقلين، وفي التجارب السابقة فإن من ينجح منهم يعود لعضوية الحزب بعد ذلك، وفي كل الأحوال فالبرلمان القادم هو برلمان بلا معارضة تقريباً، وسيكون استحواذ الحزب الوطني عليه كاملاً، ومع ذلك فإن أي قراءة موضوعية لهذه الانتخابات قد تكون نتيجتها أننا أمام انتخابات لم ينجح فيها أحد!!

ولعل جماعة الإخوان كانت هي الطرف الوحيد الذي دخل الانتخابات وهو يعرف أنه لن يحقق ما حققه في الانتخابات الماضية التي فاجأ فيها الجميع بالحصول على ما يقرب من 20% من مقاعد البرلمان. كانت الجماعة تعرف أن الظروف الآن تختلف سواء بسبب ما مرت به الجماعة داخلياً من خلافات وانقسامات خرجت إلى العلن لأول مرة، أو بسبب تواضع حصيلة نوابها في الدورة البرلمانية الماضية، أو بسبب الملاحقات الأمنية المستمرة وتجفيف الكثير من الموارد المالية للجماعة، أو ـ وهذا هو الأهم ـ بسبب غياب التفاهم الذي حدث بين الجماعة والنظام في الانتخابات الماضية والذي كشف عنه قادة الجماعة مؤخراً.

والذي أفسح المجال أمام مرشحيها (في حدود معينة) في محاولة لم تكتمل لدمج الجماعة في الحياة السياسية، ولتوجيه رسالة أراد النظام توصيلها للداخل والخارج بأن البديل عن الحزب الحاكم هو الجماعة!

كانت الجماعة تعرف من البداية أن الظروف تختلف هذه المرة، وأنها لن تحقق ما حققته في الانتخابات الماضية ولكنها اتخذت قراراً بالمشاركة على أمل استمرار التواجد في الشارع السياسي والعبور للبرلمان ولو بتمثيل أقل، وفرض أمر واقع يساعدها في اكتساب الشرعية القانونية وإنهاء التعامل معها على أنها جماعة محظورة قانوناً.

الأمر كان يختلف بالنسبة لأحزاب المعارضة الرئيسية (الوفد والتجمع والناصري) والتي كانت تواجه تيارات قوية داخلها تطالب بمقاطعة الانتخابات ما لم تكن هناك ضمانات بنزاهة العملية الانتخابية. ولكن قيادات هذه الأحزاب حسمت الأمر في النهاية مع المشاركة في الانتخابات بعد تلقيها تطمينات من الحزب الوطني بشأن المنافسة الانتخابية.

ومع التلويح بأنه قد آن الأوان للأحزاب السياسية لأن تكون هي الطرف الأساسي في الانتخابات بدلاً من المستقلين (سواء منهم من ينتمي للإخوان أو يحتفظ باستقلاله فعلاً) وبعد إشارة لها مغزاها في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى قبل شهور؟ حيث فازت هذه الأحزاب بمقاعد لم يتوقعها أحد من المراقبين، كما تم اختيار بعض قياداتها ضمن المعينين في المجلس.

وهكذا شاركت هذه الأحزاب ورفضت دعوات المقاطعة سواء من داخلها أو من خارجها، تراودها الآمال في تحقيق تواجد قوي في هذه الانتخابات ومن ثم في البرلمان القادم ينهي سنوات من انحسار العمل الحزبي بصورة عامة رغم ازدحام الساحة السياسية بحركات احتجاج وجماعات دينية ومدنية تعمل في إطار غير حزبي، وكانت كل التكهنات تشير إلى أن هناك فرصة أمام هذه الأحزاب، بل وتحدث البعض عن صفقات مع الحزب الوطني نفتها كل الأطراف، ولكن كان واضحاً حرص الحزب الحاكم على مشاركة هذه الأحزاب في الانتخابات وتشجيعه لذلك.

الأمر الذي دعا حزب الوفد الذي خاض في الفترة الأخيرة حركة تجديد داخلية جاءت بقيادة جديدة أكثر ديناميكية، والذي تتوافر له الإمكانيات المادية للمنافسة الانتخابية، أو تتزايد آماله في تحقيق نتيجة إيجابية تضعه في مكانة الحزب الثاني في الحياة السياسية وتعطيه زعامة المعارضة، وتصرفت قيادة الحزب على هذا الأساس واستبقت الأمور بتشكيل حكومة ظل باعتبار أن زعامة المعارضة مضمونة وأن الظروف كلها مهيأة لذلك.

ثم جاءت الجولة الأولى بنتائجها المخيبة لآمال هذه الأحزاب.. فالوفد لم يحصل إلا على مقعدين مع فرصة المنافسة في جولة الإعادة على تسعة مقاعد، والتجمع لم يحصل إلا على مقعد واحد مع فرصة المنافسة في الإعادة على ستة مقاعد، بينما خرج الناصريون بلا مقاعد ولا فرصة للإعادة، وخرج الإخوان أيضاً بلا مقاعد ولكن بفرصة الإعادة في حوالي ست وعشرين دائرة.

ومع اتهامات بتجاوزات وانتهاكات غير مسبوقة شابت العملية الانتخابية كان قرار الوفد والإخوان بالانسحاب من الجولة الثانية، لنكون أمام برلمان لن يكون فيه مع المعارضين إلا نائب التجمع ومن سيضاف إليه من مرشحي الحزب الستة الذين يخوضون جولة الإعادة اليوم، وبعد أن كان الحديث يدور طوال الأشهر الأخيرة عن عودة الحياة للأحزاب السياسة التي عانت طويلاً من الحصار.

وجدت هذه الأحزاب نفسها مهددة بالانفجار الداخلي، وسقط الرهان على برلمان جديد كان الجميع يتفق على أن الحزب الوطني سيحتفظ فيه بغالبيته الكبيرة تضمن له السيطرة على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان المطلوبة للقرارات الكبرى، بل وكانت الآراء تتفق على أن نسبة نواب الحزب لن تقل عن 80% من البرلمان القادم كما كان الحال في البرلمان السابق، على أن يتقاسم باقي الأحزاب النسبة الباقية مع تمثيل أقل بكثير لجماعة الإخوان عن التمثيل الحالي.