تعيش الإمارات هذه الأيام فرحة العام التاسع والثلاثين على نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة. وعلى وقع تلك الفرحة يقف الواحد منا لحظات إجلال وتقدير وإكبار للآباء المؤسسين، التي جاءت السنة الاتحادية المنصرمة لتعلن رحيلهم جميعاً، بعد رحيل آخرهم المغفور له بإذن الله الشيخ صقر بن محمد القاسمي، الذين نسأل الله أن يجعل كل ما قدموه لهذا الوطن، ولاسيما عملهم الكبير من اجل إنشاء دولة الاتحاد، في ميزان حسناتهم إن شاء الله.

لم تكن السنة الاتحادية المنصرمة سنة عادية على الإطلاق، بل كان فيها الكثير من التطورات التي أدت إلى تعزيز مكانة الدولة في المستويين الداخلي والخارجي؛ ولعل أبرز ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن الدولة الاتحادية أصبحت أكثر قوة ومتانة في السنة الاتحادية المنصرمة عن ما كانت عليه في السنوات السابقة، حيث جسد هذه القوة الوقفة الاتحادية الكبيرة التي قادتها أبو ظبي، أكبر إمارات الدولة وأغناها، مع إمارة دبي في سبيل مواجهة تداعيات أزمة ديون دبي العالمية التي ألقت بظلالها على وضع الإمارة الاقتصادي.

هذه الوقفة كانت هامة لأنها أوضحت للجميع بأن العلاقة القائمة بين إمارات الدولة هي علاقة تعاون وتكامل وليست علاقة تنافس وتنافر، كما كان يتخيل البعض. فدولة الإمارات أثبتت بهذا الحدث أنها وحدة واحدة، وأنه لا يمكن أن تسمح إماراتها الأعضاء بالضرر لأي عضو منها، فالضرر على أحدها يعني الضرر على الجميع، والنفع لأحدها يعني النفع للجميع.

هذه هي روح الاتحاد التي جسدتها السنة الاتحادية المنصرمة بكل وضوح وشفافية، واستطاعت أن توقف وتسكت أفواه من كان يقول عكس ذلك، ويحاول أن يقلل من شأن التعاضد الاتحادي. فبوركت هذه الروح الاتحادية وبوركت السواعد التي سعت لترسيخ هذا الفكر. لذلك فإن هذا الحدث وبلا أدنى شك هو أهم حدث جاء في السنة الاتحادية المنصرمة.

ولا نبالغ إذا ما قلنا بأنه يوازي حجم بعض الأحداث التي جرت في الدولة الاتحادية في السابق وعززت من دور الاتحاد، كالتحرك والوقوف الاتحادي مع إمارة الشارقة أثناء الأحداث السياسية التي جرت في بداية السبعينيات، وكذلك الوقوف الاتحادي الحازم في فض المناوشات العسكرية التي تمت بين الشارقة والفجيرة في السبعينيات، والتي كان التدخل الاتحادي في مثل تلك الأحداث مؤشرا على قوة الدولة الاتحادية وقدرتها على فرض سيادتها. فالوقفة الاتحادية التي حدثت في السنة الاتحادية المنصرمة انعكست وبكل وضوح في برج خليفة الشامخ الذي يجسد بشموخه شموخ الاتحاد، والفكر الاتحادي، فهو رمز على قوة دولتنا ومتانة العلاقة القائمة بين إماراتها.

إن الحقيقة البارزة من كل ذلك ومن كل ما جاء في تلك السنة الاتحادية من أحداث، تشير إلى أنه إذا كانت السنة الاتحادية الماضية قد عززت روح الاتحاد، فإن السنة الاتحادية الجديدة تحمل في طياتها فرصة ثمينة لدولة الاتحاد كي تنضج مؤسساتها، بالشكل الذي يؤهلها العمل كما شاء لها مؤسسوها، كدولة اتحادية أكثر ثباتاً ونضجاً. فأبواب تمكين مؤسسات الدولة الاتحادية مفتوحة اليوم أماما الجميع ليطرقوها، ويبتعدوا بعض الشيء عن أية نزعة أخرى قد لا تستثمر هذه الظروف لصالح النزعة الاتحادية.

ولا نبالغ إذا قلنا أن الفرصة المتاحة أمامنا اليوم هي فرصة تاريخية لتمكين الدولة الاتحادية وتعزيز مؤسساتها السياسية، فاليوم يتحدث الجميع بصوت واحد، يدعون من خلاله إلى تعزيز الاتحاد وتنسيق جهوده وفقاً لما حدده الدستور، والعمل على بث روح الوحدة في كل ما نقوم به. ولا نبالغ إذا ما قلنا بأن هذه الروح تشهد زخماً كبيراً نحو تحقيق هذا الهدف، ولكن كل ما تحتاجه هو الاستخدام الأمثل لهذه الفرصة وعدم تركها تمر من دون الاستثمار فيها، ونحن كلنا ثقة في قوة ومتانة مستقبل دولتنا في ظل قيادته الحكيمة.