طرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن اقتراحا ملفتا أثناء قمة لشبونة. لقي صدى لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بين موسكو وبروكسل. وتجدر الإشارة إلى أن عناصر الدرع الصاروخية في أوروبا كانت على الدوام تحت سيطرة الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي أدى مرارا إلى تناقضات مع موسكو.

وعلى سبيل المثال أرادت واشنطن نشر عناصر النطاق الثالث لدرعها الصاروخية في بولندا وتشيك. ولكن بعد وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض بدأ «إعادة تشغيل» العلاقات بين موسكو وواشنطن، بينما لم يسفر عن شيء مشروع الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا. ومع ذلك لا يمكن القول إن الأميركيين وافقوا على رأي روسيا التي «لا تثق ولا يمكن أن تثق ثقة تامة بأن الدرع الصاروخية في أوروبا لا تستهدف الصواريخ الباليستية الروسية».

وخلاصة الأمر أن الولايات المتحدة الأميركية قررت بكل بساطة إنشاء درع صاروخية أكثر فعالية وأقل تكلفة، وذلك اعتمادا على نشر مجموعة من السفن المسلحة بصواريخ اعتراضية من طراز س. م3.. وتتميز هذه السفن عن المواقع الثابتة للدرع الصاروخية الإستراتيجية بسهولة انتقالها إلى أي منطقة في العالم لتشكيل مظلة كثيفة ضد الصواريخ حيثما تقتضي الضرورة ذلك.

إن هذه الطريقة تضمن اعتراض الصواريخ الباليستية في مرحلة انطلاقها الأولى مخلفة على أرض المعتدي كل النفايات الإشعاعية الناجمة عن عملية الاعتراض. ولذا فإن اقتراح إنشاء درع صاروخية في أوروبا بمشاركة روسيا يتصف بدلالة كبيرة، على الأقل لأن المبادرة جاءت هذه المرة من طرف الناتو. إن مشاركة موسكو في هذا السياق تخلق ثقلا يقابل نفوذ واشنطن في الحلف، الأمر الذي قد يشكل دليلاً لا على مصلحة حلف شمال الأطلسي في إنشاء المنظومة، بل وعلى «إعادة التشغيل» الحقيقية للعلاقات بين موسكو وواشنطن.

هذا الاقتراح يعتبر حدثا ذا أهمية رمزية كبيرة، فلأول مرة يقرر الناتو الإقدام على تعاون حقيقي مع موسكو في مجال بالغ الخصوصية من الناحية الأمنية. وهذا دليل على تغيرات جدية في العلاقات بين الطرفين. ويوضح الخبير أن كل المفاوضات السابقة حول إنشاء درع صاروخية مشتركة كانت تنتهي بمجرد طرح السؤال عن تبادل التقنيات الحربية الأساسية بالنسبة لأمن كل من الجانبين.

وهذا ما أشار إليه الرئيس ميدفيديف الذي أكد أن لا مجال لمشاركة روسيا في هذا المشروع إلا على أساس التكافؤ. فإما أن تكون روسيا ندا لشركائها تتبادل معهم المعلومات وتتحمل مسؤولية حل هذه المشكلات أو تلك، وإما لا تشارك أبدا. أما إيغر آشوربيلي المدير العام لشركة «الماز ؟ أنتيه» الروسية التي تصنع منظومات صواريخ حديثة من طراز «س - 300» و«س ؟ 400» فيقول ان شركته جاهزة للتعاون من الناحية الفنية، أما الجانب السياسي فيقرره الساسة.

إن علاقات روسيا مع الغرب كالأرجوحة، فتارة بهذا الاتجاه وأخرى بعكسه، بينما يتطلب مجال الصناعات الدفاعية تخطيطا يتصف بدرجة أكبر من الاستقرار والثبات والمدى الزمني الطويل. ولذا فإن البرنامج المقترح للتكامل بين روسيا والناتو ليس واقعيا. وحتى الآن ليس ثمة جواب واضح عن السؤال المتعلق بعمق التكامل. إن لدى روسيا ورابطة الدول المستقلة منظومتها الخاصة للدفاع الجوي التي من المفترض أن يتم تحديثها لتصل في المستقبل إلى مستوى قدرات الدرع الصاروخية. وفي هذه الحال يمكنها التكفل بحماية أوروبا من ناحية الشرق.

أما المنظومة الروسية فلن تتشارك مع المنظومة الغربية إلا بنظام المراقبة وتحليل الوضع في مجال الدفاع الجوي حيث سيكون ممكنا إرسال المعلومات المتوفرة إلى كل من بروكسل وموسكو. أما تسليم منظومات الصواريخ مثل س. 300 / 400 إلى الجانب الأميركي، وتسليم الصواريخ الأميركية من طراز س. م. -3 إلى الجانب الروسي، فلن يتم قبل حدوث تغيرات على موضوع الثقة بين الجانبين.

إن صنع منظومة الصواريخ الجوية الروسية من طراز س. 400 «تريومف» الحديثة تتيح، وبالفعالية نفسها، التصدي لطائرات الاستطلاع وللصواريخ الباليستية متوسطة المدى. بيد أن الميزة الرئيسية لهذه المنظومة هي قدرتها الحركية العالية، بحيث يمكن نقلها بسرعة من مكان إلى آخر ووضعها في حالة الجاهزية القتالية في غضون خمس دقائق فقط. وهذه المنظومة لا تزال حتى الآن حكرا على الجيش الروسي.

ويقول وزير الدفاع الروسي أناتولي سِرديوكوف أن عددا من الدول الأجنبية، ومن بينها أعضاء في الناتو كتركيا مثلاً، تدرس إمكانية شراء هذه المنظومة. هذا وقد سبق لروسيا أن زودت بلدان الناتو بصواريخ مماثلة، ففي تسعينات القرن الماضي اشترت اليونان من روسيا منظومات س-300. ويقول الخبراء الروس ان هذه المنظومات تسنى دمجها بسهولة في إطار النظام الغربي لتوجيه الصواريخ. وتخلص الصحيفة إلى أنه سيكون من السهل على منظومات س. 400 التأقلم مع ظروف أوروبا، وذلك إذا سار التعاون قدما بين روسيا وحلف الناتو في إنشاء الدرع الصاروخية.