ما مغزى تحرك قيادة السلطة الفلسطينية لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بإعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشريف؟ وهل لمجرد صدور مثل هذا القرار الدولي ستقوم الدولة المستقلة فعليا على الأرض وأن إسرائيل ستضع نهاية لاحتلالها مع نقل البؤر الاستيطانية إلى السيادة الفلسطينية؟

تجاه إعلان التحرك الفلسطيني في هذا الاتجاه جاء رد الفعل الإسرائيلي فوريا ومفعما بأعلى درجات التهديد، لكنه كان أيضا مشوبا بشيء من التخوف.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو حذر من أن كل خطوة فلسطينية أحادية سوف تؤدي إلى نسف الاتفاقات الإسرائيلي الفلسطينية بما في ذلك اتفاق أوسلو. وهدد وزراء إسرائيليون بضم المستوطنات نهائيا إلى السيادة الإسرائيلية.

لكن وزراء آخرين أدلوا بتصريحات تعكس شيئا من التردد. فقد اعتبر أحدهم التحرك الفلسطيني زوبعة في فنجان ومناورة فلسطينية داخلية وكأنه يقول إن قيادة السلطة الفلسطينية ليست جادة تماما في المضي قدما لنقل القضية إلى مجلس الأمن الدولي.

بل وأن وزيرا إسرائيليا آخر أعرب عن تخوفه إلى درجة أنه بدا وكأنه يقدم تبريرا لإعلان القيادة الفلسطينية، فقد تحدث الوزير عن «ضيق الفلسطينيين الذين لا يرون نهاية للاحتلال المستمر منذ نحو 43 عاما»، معربا عن قلقه من «تنامي عزلة إسرائيل على الساحة الدولية».

لنفترض أن قيادة السلطة الفلسطينية جادة في مسعاها وأنها شقت طريقها فعلا إلى مجلس الأمن الدولي حامية مشروع قرار بقيام الدولة المستقلة. ولنفترض أيضا أن المسعى الفلسطيني حظي بدعم دولي واسع بعد أن وصل أخيرا إلى طاولة المجلس، ولنفترض كذلك أن الولايات المتحدة امتنعت عن استخدام الفيتو.. وبالتالي صدر القرار المنشود، فماذا بعد إذن؟

لا شك أن صدور القرار في هذه الحالة المثالية سيكون انتصارا معنويا للسلطة الفلسطينية وبقدر ما سيكون هزيمة معنوية لإسرائيل. لكنه لن يكون أكثر من ذلك.

فالدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي - بما في ذلك دول عربية وإسلامية - لن تجرد جيشا أمميا للقتال ضد إسرائيل إنفاذا للقرار الدولي لتحرير الأرض الفلسطينية وتسليمها إلى السيادة الفلسطينية على طبق من ذهب أو فضة. صفوة القول إن العالم قد يدعم الفلسطينيين والقضية الفلسطينية لكنه لن يناضل نيابة عنهم. أساس عملية التحرير هو المقاومة المحلية.

وسوف يبقى الاحتلال الإسرائيلي جاثما على الأرض بعسكره ومستوطناته حتى لو صدر عن مجلس الأمن الدولي ألف قرار طالما بقي الإسرائيليون مطمئنين إلى أن القيادة الفلسطينية ليس على أجندتها سوى «السلام» كخيار يتيم لقد سبق أن أدلى رئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض بإفادات في سياق إجاباته على أسئلة جمع من الصحافيين لم تفلح إلا في توليد تساؤلات إضافية.

كانت الإفادة الرئيسية هي أن الفلسطينيين لن يجبروا على قبول دولة «ميكي ماوس» التي تخطط لها إسرائيل في إطار اتفاق سلام. إنها كلمات قوية وصريحة، غير أن فياض لم يقل لنا كيف تعتزم السلطة الفلسطينية مقاومة إسرائيل في مشروعها المعد لفرض مثل هذه الدولة على الشعب الفلسطيني.

غاية ما استطاع قوله هو إنه إذا كانت مثل هذه الدولة هي ما كان يتوقعها نتانياهو فإن عملية السلام في الشرق الأوسط ستبقى متوقفة.

ولكن ماذا بعد ذلك؟ إسرائيل ستواصل استثمار توقف عملية السلام لخلق المزيد من الوقائع الملموسة على أرض الضفة الغربية في أحياء استيطانية وطرق التفافية تحيط بقرى وأحياء فلسطينية مشتتة بما يحول عمليا دون إقامة كيان جغرافي فلسطيني متوحد ومتماسك من طراز ما تخوف منه السيد فياض.

وقال فياض إن زعماء إسرائيل يجب أن يسألوا سؤالا جوهريا عن نوع الدولة التي لديهم استعداد للموافقة عليها قبل ممارسة الضغط على الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات. هذا القول يفرز ملاحظتين:

أولا: لقد حدد نتنياهو نوع «الدولة» التي يريدها الإسرائيليون للشعب الفلسطيني. فهي كيان بلا سيادة ومنزوع السلاح وخاضع للسيطرة السيادية الإسرائيلية.

ثانيا: الضغط على الفلسطينيين لحملهم على استئناف المفاوضات تمارسه على السلطة الفلسطينية الولايات المتحدة باسم الوساطة. ولكن لماذا تستجيب قيادة السلطة لضغوط من أجل عملية تفاوضية لن يكون على جدول أعمالها أي من قضايا الوضع النهائي المصيرية: الحدود، مصادر المياه، عودة اللاجئين، والقدس؟

كاتب صحافي سوداني

vhisham200775@yahoo.com