لم يكن ساسة ومصرفيون ومنشقون وزعماء دول ومسؤولون حكوميون يتصورون، في أشد كوابيسهم إزعاجاً، أن يتم نشر أسرارهم على هذا النحو. فكيف للسر أن يكون «سراً»؟ هذا هو السؤال الأول الذي طرح من خلال نشر مادة مأخوذة عن تسريب ربع مليون وثيقة من وزارة الخارجية الأميركية في صحيفة «غارديان» البريطانية وعدد من الصحف الأخرى.

الكثير من هذه المواد بالتأكيد خاص جداً. فعندما يبوح أناس في جميع أنحاء العالم بأمور حساسة للدبلوماسيين الأميركيين فهم يفعلون ذلك متوقعين أن هذه الأمور سوف تحظى بدرجة عالية من السرية. ولكن ما هو «خاص» على وجه الدقة ما هو «سري».

ومن الواضح الآن أنه تم نشر هذه الأسرار على شبكة الانترنت الداخلية للحكومة الأميركية، والمعروفة اختصاراً باسم «سيبديس»، كي تكون متاحة للتوزيع على نطاق واسع جداً بين أوساط دبلوماسية وحكومة وعسكرية. وربما يكون قد تم وضع علامة «سري» عليها ولكن جميع الأسرار نسبية.

حيث أن هناك حوالي 3 ملايين أميركي يسمح لهم قراءة المواد المدرجة بهذه الدرجة من التصنيف. وتشتبه السلطات الأميركية بشكل واضح أن الرسائل، كما هي الحال بالنسبة لما تم نشره من سجلات الحرب في العراق وأفغانستان، قد تم تسريبها بواسطة العميل السري «برادلي مانينغ»، وهو جندي يبلغ من العمر 22 عاما، تمكن من الدخول على هذه الرسائل بحكم منصبه كضابط مخابرات في بغداد.

فلم يكن سياسيون ومصرفيون ومنشقون وقادة دول ومسؤولون حكوميون ومصادر أخرى، أن يتصوروا في أشد كوابيسهم إزعاجاً بأن يتم نشر معلومات سرية في جميع أنحاء العالم. وقبل أن يشير المسؤولون بالحكومة الأميركية بأصابع الاتهام إلى الآخرين، ربما يتعين أن يكون لديهم التواضع أولاً بالتفكير في دورهم في نشر «أسرار» في شبكة انترنت عالمية.

السؤال التالي، هو: ما هو السر؟ يجدر تذكر كلمات «ماكس فرانكل»، رئيس التحرير السابق لصحيفة «نيويورك تايمز»، الذي كتب إلى محاميي الصحيفة عندما كانوا يدافعون في قضية نشر وثائق لوزارة الدفاع الأميركية في عام 1971، كقضية التسريب التي نحن بصددها حالياً- كتب يقول:

«بشكل عملي، فإن كل شيء تقوم به حكومتنا، وتخطط له، تفكر به، وتسمع له وتتأمل فيه على صعيد السياسة الخارجية يتم اعتباره والتعامل معه على أنه سري، ثم بعد ذلك يتم الكشف عنه من قبل الحكومة نفسها، والكونغرس والصحافة في إحدى الجولات المستمرة لجهات اتصال مهنية واجتماعية وعمليات تبادل للمعلومات.

إن المعلومات المرسلة إلى موقع «ويكيليكس» تصنف في فئات مختلفة. فهناك أشياء كانت معروفة على نطاق واسع، ولكنها تكتسب أهمية خاصة بحكم نوعية المصدر أو التحليل.

فمن المستحيل أن يكون رئيس إقليمية ما، على سبيل المثال، لا يعرف أنه ليس الشخص المحبوب لدى العديد من مسؤولي دول مجاورة لبلاده. إلا أن لأمر مثير وهام، أن يعرف ما قاله هؤلاء المسؤولون سراً، وأن يستمع إلى الطريقة التي عبروا بها عن وجهات نظرهم، ومقارنة تلك التعبيرات الخاصة بمواقفهم العامة.

هناك أشياء غير معروفة على نطاق واسع خارج دائرة ضيقة، على سبيل المثال الموقف الحقيقي بشأن القضايا المثيرة للجدل للأنظمة القمعية، أو التصريحات بدون تحفظ لقادة الدول الذين يتصورون أنهم في صحبة آمنة.

وأخيراً، هناك مسائل لم تكن معروفة لدى العالم الأوسع نطاقا، منها على سبيل المثال أمر باسم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للدبلوماسيين بجمع معلومات شخصية، بما في ذلك معلومات بيولوجية وعناوين بريد إلكتروني، حول قيادة الأمم المتحدة. كان هذا واحداً من عدد من «التوجيهات الاستخبارية «التي تم إرسالها من قبل وزارة الخارجية عبر «سيبديس» إلى الدبلوماسيين الأميركيين على امتداد العالم، تطلب منهم جمع مثل هذه المعلومات حول طائفة واسعة من الناس.

صحيفة «إندبندنت» البريطانية