اهتمامنا كإعلام عربي بالانتخابات العربية سواء في العراق والسودان أو اليمن ولبنان هو بطبيعة الحال اهتمام بالشأن العربي العام له ما يبرره، سعيا نحو الاطمئنان على مدى سيادة ثقافة الحرية والعدالة والمشاركة الديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الحياة العربية.
واهتمامنا بالانتخابات المصرية لا يأتي في هذا الإطار فقط، بل يتعداه إلى كون مصر بحجمها وبشعبها الكبير، وبواقعها وموقعها الخطير، هي إحدى الدول الأكبر تأثيرا على منطقتها العربية سلبا أو إيجابا، ففي قوتها قوة للعرب وفي ضعفها ضعف للعرب، وسواء في مرحلتها الثورية ذات المفاهيم الاشتراكية كانت ملهمة، أو في مرحلتها الدستورية ذات المفاهيم الرأسمالية كانت مؤثرة، فهي بالعمق والحجم وبالتاريخ والجغرافيا تملك عناصر التأثير سواء بالنموذج الإيجابي أو بالنموذج السلبي.
ولأن ذلك يعني أن بمقدور مصر أن تقدم لشعبها ولأشقائها نموذجا إيجابيا في الديمقراطية تأكيدا للحرية والعدالة السياسية، إن أرادت مؤسساتها التشريعية والتنفيذية ذلك، مثلما سبق وأن قدمت نموذجا إيجابيا في الاشتراكية تأكيدا للحرية والعدالة والاجتماعية، كان اهتمامنا بما جرى من انتخابات قبل يومين آملين تقييمه وتقويمه لتصحيح ما اعتراه من تجاوزات وانتهاكات وما شابه من خطايا وأخطاء، وتنمية ما حفل به من إيجابيات استعدادا لما سيجري بعد يومين من إعادة.
وإذا كان من الثابت في أي منظومة فكرية أو تطبيقية أن المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة بينما المقدمات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، لكن المفارقة المجافية للمنطق هنا حينما تبدو المقدمات نظريا صحيحة وتكون النتائج خاطئة، أو حينما تكون المقدمات نظريا خاطئة وتبدو النتائج صحيحة!
وإذا كان الشيطان يكمن في التفاصيل، لكن المشكلة تكون أكبر حين تكون هناك شياطين كثيرة لا تكمن فقط في التفاصيل بل وفي العموميات أيضا، سواء في بعض المفاهيم والقوانين أو في الميادين والدواوين، لدى بعض المعارضين أو الموالين، بما لا يجعل المقدمات صحيحة ولا النتائج صحيحة، وهنا مكمن الخطر.
وتلك الانتخابات التشريعية، والتي أثارت الكثير من الجدل والاتهامات المتبادلة، بما سبقها من عدم سلامة المقدمات ومن عدم الثقة في الضمانات، وبما شابها من سوء الممارسات من جل الأطراف، وبما خلفته تلك الانتخابات من أزمات وتداعيات سلبية على إمكانية التحول الحقيقي نحو الديمقراطية وعلى ضمانات مستقبل الحياة السياسية، فإن هذه الانتخابات المصرية كما العربية تثير لدى المراقبين السياسيين والإعلاميين العديد من الملاحظات والسجالات والتساؤلات والمساءلات.
وأهم الملاحظات، هو اضطراب المفاهيم النظرية الصحيحة والواضحة حتى في بعض البديهيات بما يؤدي ليس فقط إلى الخلط بين المفاهيم والمصطلحات في الرؤى والخطابات، بل أيضا إلى التناقضات بين القوانين والتطبيقات، ويتجلى ذلك في الخلط الشائع بين مصطلح الدولة والحكومة، أو بين الدولة والحزب، أو بين الحكومة والبرلمان أو بين القرارات والقوانين، وهذه هي الثقافة الغائبة للتحول الديمقراطي.
وفي حين ليس هناك خلاف كبير بين دعاة التطوير أو التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي على اعتماد الديمقراطية كآلية للإصلاح والتغيير السلمي وصولاً لمجتمع الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية. تبدو عملية التحول الديمقراطي غير واضحة المعالم لا على المستوى الفكري ولا على المستوى التشريعي ولا على المستوى المؤسسي في ظل تناقض واضح بين الفكر والتطبيق، وبين السياسة والقانون، وبين الدين والدولة.
وتبدو العقبة الأبرز في غياب ثقافة الديمقراطية التي تعلي حق المشاركة العادلة، والقبول بالآخر، والفصل والتوازن بين السلطات، والعلاقة الصحية بين الدين والدولة، والحوار الوطني الجامع لصنع القرار، والاحتكام لرأي الشعب مصدر كل السلطات.
كما تبدو العقبة الأصعب في غياب ثقافة حقوق الإنسان التي من المفروض أن تكون هي الثقافة السائدة في مجتمعنا العربي باعتباره مهبط الرسالات السماوية العظمى مصدر هذه الحقوق قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وبغياب ثقافة الديمقراطية التي تؤمن المشاركة الشعبية، وثقافة حقوق الإنسان التي تؤمن العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تضطرب الرؤى الديمقراطية وتتناقض التجارب بين النظريات والتطبيقات بما فيها مشاهد الانتخابات سواء المصرية أو العربية.
غير أن المشهد السياسي الحالي رغم ما فيه من التشريعات والتعديلات والإصلاحات، لكن الكثير يبدو شكلياً والقليل موضوعيا، بعضه يتجه إلى الأمام وبعضه يتجه إلى الخلف على طريق التحول الديمقراطي.
فيبدو الإصلاح شيء والتحول الديمقراطي شيء آخر، حيث لا يوجد في جل العالم العربي فصل حقيقي ولا توازن بين السلطات وخاصة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولا يوجد غالبا استقلال للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وفي الدول التي تسمح بالأحزاب لا يوجد فصل بين الدولة والحزب الحاكم أو الواحد، لا فرق.
ويكفي أن نلاحظ في هذا المشهد ندرة الوصول للبرلمان بمشروعية ديمقراطية، أي بإرادة شعبية حقيقية، كما نلاحظ ندرة حدوث ذلك أيضا في الوصول إلى الحكم بتداول ديمقراطي للسلطة، عن طريق انتخابات حقيقية حرة ونظيفة دون إقصاء أو تمييز، ودون تحايل أو تزوير بالترهيب أو بالترغيب.
الحرية بأبعادها المختلفة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية هي المسألة الكبرى والحق الثابت للإنسانية التي ناضل الإنسان في كل عصر ومصر للحصول عليها وتأكيد سيادتها لكل وطن من الأوطان ولكل مواطن في كل وطن، فالفرد الحر هو أساس المجتمع الحر، ولا حرية لمواطن من دون حرية وطن.
كاتب مصري