هناك ما يلفت النظر بالفعل في كل مسلسل تسريبات "ويكيليكس"، سواء منها ما كان يتعلق بالحربين في العراق وأفغانستان، أم هذه التي نشرت أمس الأول وكانت بمثابة نوع من السطو على برقيات السفارات الأميركية في عدد من بلدان العالم المرسلة إلى مقر وزارة الخارجية في واشنطن. هذا الأمر اللافت للنظر هو غياب أي تسريب ذي قيمة عن المواقف الاسرائيلية من عملية السلام- عدا عن القول بأن زعيمة المعارضة تسيبي ليفني لم تكن تؤمن بالسلام مع السلطة الفلسطينية.

كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد نشرت قبل إطلاق الحلقة الجديدة من مسلسل "ويكيليكس" تخوفات بأن هذه الحلقة ستكون "كارثية" على الدبلوماسية الإسرائيلية، لكنها عادت أمس الأول لتقول إن هذه التسريبات كانت "محرجة"، ولم تكن "مدمرة" كما تكهنت هذه الوسائل الإعلامية أصلا.

حتى التسريبات المزعومة عن حربي العراق وأفغانستان لم تكن بالخطورة التي توقعها المراقبون أو تحدثوا عنها. ومكمن الخطورة كما نقلت التقارير عن مصادر مقربة من الشخصيات الدولية التي تردد أن التسريبات مست بها، هي أن التعليقات عن تلك الشخصيات كانت "صريحة" أكثر من اللازم. لكن هذه المصادر ردت بالقول إن الدبلوماسيين في تلك البلدان يتحدثون فيما بينهم عن الشخصيات الأميركية والدولية بصراحة مماثلة إن لم تكن أكبر.

ويبدو أن التقييمات الحقيقية للمواقف الاسرائيلية من قبل الدبلوماسيين الأميركيين، وغير الأميركيين، من السرية والحفظ بحيث لم يكن ممكنا لصاحب موقع "ويكيليكس" الوصول إليها، أو إنه حتى لو وصل إليها جدلا، فربما لم يكن يرغب في نشرها على العالم.

ولا بد أن هناك اتصالات بين الجانبين الأميركي والاسرائيلي حول عملية السلام، لكن هذه الاتصالات لا تجريها في العادة السفارات ودبلوماسيوها، وإنما يتولاها كبار المسؤولين في الجانبين. وبالتالي فمرجعياتها محفوظة في أماكن عَصِيّة على "من يسرّبون الوثائق لموقع "ويكيليكس". مهما بلغ من عدد الوثائق أو تنوعه مواضيعها.

ولعل غياب الموضوع الفلسطيني والتركيز على ايران والمواقف العربية المزعومة من "الخط" الإيراني يعطي انطباعا عن التوجه الذي تم بموجبه اختيار الوثائق. وربما نحمّل صاحب الموقع أكثر مما يمكنه أن يحمله إذا لمحنا بوجود نوع من التحيز المقصود، أو غير المقصود، في وثائقه المنشورة. فهناك مستوى معين لما يمكن له الحصول عليه، ومستوى آخر لا يمكنه الوصول إليه، لأنه يتجاوز إمكاناته وقدرات مصادره،

وفي كل الأحوال فلم تكن تداعيات نشر الوثائق بالخطورة الكارثية التي توقعها بعض المراقبين. وبالنسبة للفلسطينيين فليس فيها أي جديد على الإطلاق :فالقادة الاسرائيليون لا يرغبون في التعجيل بتحقيق السلام، سواء منهم ليفني أو نتنياهو أو اولمرت أو غيرهم. وقضيتنا تراجعت في سلم الاهتمامات العربية والدولية. وفي ذلك كله كانت الحقائق معروفة لنا جميعا، ولم نكن بحاجة لهذه التسريبات، كما أنها لم تضف أي جديد لمخزون المعلومات الفلسطينية.