تقليعاتنا العربية تصل بحساسيتها إلى الصدام عبر وسائل النشر المرئي وغير المرئي لمجرد خلاف على مباراة كرة قدم، أو تصريح لغير مسؤول، أو مقال لشخص ما يتحدث بصيغة الجمع بعد انتقاء صورة ما لأحد المجتمعات لإثارة حفيظة الآخر الذي لا يحاسب القائل أو الكاتب، بل المجتمع الذي سيفتش في تواريخه السلبية وعاداته وتقاليده، وموروثه العام ليضعها قيد الاتهام والسخرية، وضعا يصل إلى حد الانتقام..

خلصنا من التقسيمات السياسية وتصنيفاتها، لندخل في نبذ العروبة كشيطان أكبر، جاء ببدو الجزيرة ليغزوا حضارات تاريخية، حتى وصلنا أخيراً إلى أننا بلدان غنية كبرت كروش أصحابها، وحولوا ثرواتهم إلى عبث أخلاقي، ولم تقتصر الأمور على حالتهم الخاصة بل دمروا عقليات المجتمعات الأخرى عندما استقدموا العمال، والمهندسين، والأطباء وغيرهم.

ليعودوا إلى بلدانهم بعقلية استهلاكية تأثرت ببدو النفط، الذين مزجوا التطرف الديني بالبذخ والروح اللامبالية، ما دفع البعض في الدعوة إلى فرض أتاوات تتولى توزيع الثروة على كل الأمة العربية، لأن من ولدت بينهم لا يستحقونها بما أنهم غير مؤهلين حضارياً مقارنةً مع أجيال أكثر حضارة، أشادت مدناً وشعوباً، فهي الأولى بثمرة الأرض العربية من عناصر طارئة على الحياة!!..

لست إقليمياً أو غير عربي، لكنها الكلمات والصور النمطية وحالات التأزم عن دول الفائض النفطي، من دول تنسى أرقام المعونات والاستثمارات وتحمل أعباء هي حق طبيعي وليس إجبارياً على هذه الدول. فمن غير المنطقي أن تكون العروبة والثروة مصدري اتهام في وقت حُرمت هذه الدول من أبسط مقومات الحياة العادية، عندما كانت مدناً وعائلات ومجتمعات عربية، مصيفها في أوروبا وشتاؤها على سواحلها الدافئة، وسط فئات متنعمة في كل شيء، والأخرى تغرق بالفقر..

لا تقرن الأسباب بنتائجها، فعصر التأميم قتل المبادرات وذهب بالاقتصاد إلى القاع، وخلق الفئات المنتفعة على حساب المنتجة، ومحاكمة ظروف كل بلد تبعاً لحقائق جرت عطلت تنمية الإنسان والوطن، لم يكن سببها رحيل ثروة تلك البلدان إلى دول النفط، بل ذهبت إلى مواقع آمنة في أوروبا وأمريكا، في وقت لم تصب فيه دول النفط بحمى اليسار وتصدير الثورات والانقلابات بزعم تحرير الأمة العربية من أسر الاستعمار.

بل كانت أقرب إلى المنطق في التعامل مع كل القوى دفاعاً عن وجود وتنامي رؤية هي أقرب للواقعية السياسية من النظرة الأحادية التي أغلقت أذهان شعب وجرت معها طابور المثقفين و«التكنوقراطيين» إلى ذات المزالق، لتتحول أصواتهم من الاستقلالية بالرأي وحريته، إلى أبواق وأصداء تلك العنتريات..

وإذا كنا أمة واحدة بحزام الجغرافيا، والتراث والمعتقد، فإن فتح الأبواب لخلافات غير منطقية بدلاً من التفكير بجدية في أساليب ورؤى أخرى تحد منها قد يضعف الحزام.

فجدولة الثروة مقابل ثروات بشرية، وبيئات قابلة لرسم إستراتيجيات تعطي تكاملاً اقتصادياً وتوظيفاً لكل القدرات، فكرة تحتاج إلى ذهن متفتح لا منغلق على إقليمية تثير الاتهامات بدلاً من فتح الأبواب على مناخ صحي وفرص متاحة، لتندمج هذه القابليات مع بعضها بأسلوب منظم يرقى على حالات القصور الراهنة، ويبدأ بألف باء العمل العربي المشترك، بلا حساسيات، أو اتهامات..