التجربة الروسية في العلاقات مع المسلمين ليست بتلك البساطة كما قد تبدو للوهلة الأولى، ولم تكن العلاقة بين الروس والمسلمين دائما وردية كما يحلو للبعض أن يصورها الآن لأسباب سياسية عصرية، لقد كبرت روسيا بانضمام العديد من المناطق الإسلامية إليها.
وهذه العملية لم تكن سلمية، بل تخللتها حروب ونزاعات وصراعات، لقد حاربت روسيا في القرن 16 ضد المسلمين، وحدت من فرص انتشار الديانة الإسلامية.
ومن ثم حاولت دمج المسلمين في مجتمعها. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وفي عهد كاترينا الثانية تغيرت الأحوال واستقرت وهدأت، ولم يعد هناك مبرر للصراعات بعد أن توسعت الإمبراطورية بشكل لم تعد تستطيع أن تتوسع أكثر منه، حيث أدركت السلطات الروسية طابع البلاد متعدد القوميات، فأخذت تبحث عن حل وسط. وبغية «تفهم» المسلمين والسيطرة عليهم في الوقت نفسه تم تأسيس «الإدارة الروحية المحمدية».
وظهرت بعض الأوسمة القيصرية الخالية من شارة الصليب لمكافأة غير المسيحيين. ومع ذلك بقي اعتناق المسيحية شرطا لتقلد المناصب الهامة في الدولة.
وهذا هو السبب في وجود العديد من العائلات الشهيرة في روسيا التي تحمل أسماء إسلامية الأصل بما في ذلك أسماء قادة عسكريين وكتاب عظام. كما جرت بعض محاولات التنصير بالقوة كان آخرها في القرن التاسع عشر.
ولكن هذه المحاولات لم تترك أي أثر على نطاق جماهيري. وفي الربع الأخير من القرن 19 انسجم المسلمون أكثر فأكثر مع المجتمع الروسي وكانت السلطات تدفعهم نحو ذلك غير أنها لم تنتزع منهم هويتهم الإسلامية.
آنذاك جرت أيضا عملية الاندماج والاستيعاب، فراح المسلمون يتكلمون اللغة الروسية وتأثروا بسلوك الروس وانخرطوا في السياسة الروسية العامة وشكلوا كتلة لهم في مجلس دوما الدولة. آنذاك كان المسلمون يكنون مشاعر الاحترام للإمبراطورية القوية الصاعدة التي لم يكن الانضمام إليها يثير أي إحساس بالخجل.
والآن تنتاب المسلمين مشاعر مشابهة بمعنى ما ولكن تجاه انتمائهم إلى الأمة الإسلامية التي تعد مليارا ونصف المليار نسمة، الأمة التي قام بعض أفرادها في 11 سبتمبر «بمعاقبة» أمريكا وكذلك مشاعر الانتماء لحركة طالبان الأفغانية التي «لا تقهر»، وهؤلاء المسلمون يحسون في كثير من الأحيان بأهميتهم بلا روسيا. ما من أحد يعرف اليوم كيف ينبغي بناء العلاقات مع المسلمين فحتى عددهم في أوروبا غير معروف على وجه الدقة.
ثمة من يقول أن هذا العدد يتراوح بين 25 و40 مليون نسمة. وما من أحد يعرف ماذا يدور بالضبط في نفوس المسلمين،إنهم غامضون بعض الشيء في التعامل مع غير المسلمين، من المعروف على سبيل المثال أن لا موقف موحد لدى المسلمين في روسيا من الدعوة «للعيش وفق قوانين الشريعة»، فنسبة المؤيدين بين التتار لا تتجاوز 5%، بينما تفوق هذه النسبة في وادي فرغانة 50%، ويلعب العامل الاقتصادي دورا هاما، فالفقر يدفع بالناس لأحضان الدين.
ثمة بعض الأحداث في أوروبا تثير الاهتمام كفضيحة الرسوم الكاريكاتورية وأوبرا فيينا وقتل المخرج الهولندي الذي صور شريطا عن وضع المرأة في الإسلام. كل هذه الأحداث دليل على أن بعض المسلمين يحاولون فرض قواعد لعبتهم على أتباع الديانات الأخرى.
أما رد الفعل في أوروبا على ذلك فهو تنامي كراهية الأجانب (إرهاب الغرباء) ، وتزايد عدد اليمينيين في البرلمانات. من المهم جدا الآن ألا نوطن النفس على مواجهة أبدية بل على البحث عن سبل لتطابق الآراء وعن الحلول الوسط والسير في طريق التنازلات المتبادلة.
صحيفة نيزافيسمايا الروسية