منذ اندلاع الأزمة المالية الكونية ظهرت العديد من المقالات والدراسات في المراكز البحثية والدوريات الأكاديمية التي تكشف عن حجم التراجع الكبير في مكانة أميركا، إلى الحد الذي وصل ببعض هذه الكتابات إلى التنبؤ بقرب أفول الحقبة الأميركية.

يأتي هذا في ضوء صعود بعض القوى الكونية الأخرى مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل، وهي قوى سحبت بدرجة أو بأخرى بعض ممارسات القوة الأميركية، وبشكل خاص على المستوى الاقتصادي.

والملاحظ أن معظم هذه الكتابات تؤكد على المخاطر المتوقعة من جانب الصعود الصيني بالأساس على الولايات المتحدة حيث أثرت الأولى على القدرات الاقتصادية للثانية بشكل كبير وسحبت العديد من الأسواق منها. وليس أدل على ذلك الخلل الحادث في الميزان التجاري فيما بينهما، وما نتج عنه من إعلان حرب العملات المشتعلة الآن والتي يمكن أن تؤدي إلى تدهور مالي عالمي جديد.

لقد ظهرت معظم هذه الكتابات داخل أميركا، الأمر الذي يحمل معه قدرا كبيرا من الشعور بحجم المخاطر التي تتهدد القارة الشمالية والتي يمكن أن تقذف بها للمصير ذاته الذي آلت إليه الإمبراطورية البريطانية في النصف الأول من القرن العشرين.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تواجه الولايات المتحدة الأميركية فعلا حالة من حالات التراجع والانهيار؟ وهل سوف يشهد القرن الحالي قوى صاعدة جديدة بحيث يصبح قرنا صينيا أو هنديا أو روسيا بامتياز؟

لا يبدو أن انهيار أميركا وشيك الحدوث، فسوف تستمر في فرض إرادتها وقوتها على مجريات القرن الواحد والعشرين؛ ورغم ما تتعرض له من أشكال ضعف عديدة ومتنوعة عسكريا واقتصاديا فإنها سوف تستمر في الهيمنة على العالم، بدرجة أو بأخرى.

فرغم حالة التشتت العسكري التي تعاني منها أميركا في العراق وأفغانستان وكوريا وغيرها من بقاع العالم الأخرى، فإنها ما زالت تشكل القوة العسكرية الأولى كونيا. كما أنها القوة الوحيدة التي تمتلك القدرة على فرض سيادتها على البحار والتحكم في مساراتها. وفي هذا السياق لا توجد قوة عسكرية أخرى تضاهيها في حاملات الطائرات البحرية وعدد السفن البحرية التي تمتلكها.

إضافة إلى ذلك فإن القوى الاقتصادية الصاعدة وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل لا تمتلك القدرات العسكرية التي تحوزها أميركا، وليس لديها الطموح العسكري للتوسع ومد النفوذ. فهى دول لا تمتلك تاريخيا الرغبة في التوسع والامتداد، ناهيك عن المشكلات البنيوية والعرقية المختلفة التي تواجهها والتي تحتاج لفترات تاريخية طويلة حتى يمكن التخلص منها.

ورغم ما يتنبأ به البعض من قدرة هذه الدول على القيام بخطوات تمكن لها الاحتواء والسيطرة على الولايات المتحدة فإنه من الأرجح أن الأخيرة هي التي سوف تقوم بتلك الخطوات من أجل مواجهة أية قوى أو تحالفات قد تحاول النيل منها وزعزعة قوتها وهيمنتها.

ورغم أن الكثير من هذه الكتابات تركز على الجانبين العسكري والاقتصادي فإنها تهمل بدرجة كبيرة الجانب الثقافي والإعلامي للولايات المتحدة، أو ما يطلق عليه البعض بشكل أوسع «القوة الناعمة».

فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك ذلك الألق الإمبراطوري الذي يجعل الجميع يضعها نصب أعينه ويقتدي بها. وهو ألق لا يرتبط بالقدرة العسكرية أو الاقتصادية لكنه يرتبط بدرجة كبيرة بقدرات أميركا الإعلامية من خلال الإنتاج الفني الذي لا تنافسه أية قوة في العالم حتى الآن.

فمن خلال هذا النموذج يعرف العالم السينما والموسيقى الأميركية، كما يعرف ويتذوق الأغذية السريعة والجينز وغيرها من الرموز الأميركية التي لا تترك مكانا إلا ووصلت إليه. نحن لا نقّيم هنا جودة السينما أو الموسيقى الأميركية ناهيك عن الأغذية السريعة، لكننا نرصد حالة هيمنة ناعمة تسيطر من خلالها أميركا على العقول والبطون والمشاعر.

كما أن التعليم الجامعي الأميركي مازال يمثل قوة متميزة لا تضاهيها أية دولة في العالم، رغم صعود بعض الجامعات الأخرى حول العالم. فما تقدمه أميركا للتعليم والبحث العلمي لا تستطيعه أية دولة أخرى، ويمكن في هذا السياق التعرف على حجم التهافت الكوني على نيل قسط من التعليم ضمن المنظومة الأميركية، وما يشكله ذلك من تقدم للأفراد على مستوى حياتهم العملية.

سوف تساعد القوة الناعمة أميركا على فرض نفسها على القرن الواحد والعشرين، وسوف تخفف من حدة وتهور الممارسات الأميركية على المستويين الاقتصادي والعسكري. وإذا ما ضعفت هذه القوة الناعمة يمكن ساعتها البحث عن قوة صاعدة جديدة لديها من القوة الناعمة ما يكفل لها إزاحة أميركا من لوحة شرف الإمبراطوريات الكونية.

vsalehabdelazim@hotmail.com

كاتب مصري