لو قُيِّضَ للبنانيين أن يصدقوا التهويلات والتهديدات التي اجتاحتهم منذ مطلع الصيف الماضي، لَما كانوا أمضوا الصيف بهناء ولَما كان المغتربون عادوا ولَما كان السياح توجهوا إلى لبنان.
اللبنانيون منتعشو الذاكرة، كم قيل لهم:
لا تُسافروا، إبقوا في لبنان، فالمطار يمكن أن يُقفَل والطرقات يمكن أن تُقطَع.
لا شيء من هذه المخاوف تحقق، ومرَّ الصيفُ بسلام.
اليوم يتكرر السيناريو:
التهويلات والتهديدات تضرب اللبناني من كل حدب وصوب:
لا تستثمر في لبنان، لا تُسافر، إحرَص على أن تكون عطلة الأعياد خارج لبنان. مع ذلك نقول للمهوِّلين وللمهددين:
لا تُصدِّقوا التهويلات والتهديدات فلا شيء منها سيحدث بل تابعوا حياتكم اليومية بشكل إعتيادي لأن الأمور ستسير بشكل إعتيادي.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحال هو:
إذا كان التصعيد العسكري، ميدانياً، مستبعداً وممنوعاً، فما هي وسائل التعبير الممكنة بين حدَّيْ إبقاء الوضع كما هو أو التصعيد؟
تُجيب مصادر داخلية مطلعة وعليمة ومواكِبة للتطورات، على الشكل التالي:
كل شيء مسموح إلا التحرك العسكري على الأرض، فالإعتراضات مسموحة وكذلك الإحتجاجات والإستقالات غير ممنوعة وكذلك مقاطعة مجلس الوزراء وجلساته. وحين يُقال لهذا المصدر أن هذا الآداء يعني شللاً للدولة فإنه يُجيب:
الشلل، على سيئاته الكثيرة، يبقى أفضل من إندلاع الفتنة لأنها إذا إندلعت فإن عواقبها وخيمة وقد يُعرَف كيف تبدأ وأين لكن لا يمكن معرفة كيف تنتهي.
لكن مع التسليم بصحة معلومات هذا المصدر ودقته، فإن هذا الوضع غير صحي وغير سليم على الإطلاق، فالفتنة غير محصورة بخربطة الوضع على الأرض:
الشلل الإقتصادي فتنة وتخويف الناس فتنة والتصعيد الكلامي فتنة، أليست فتنة أن يُقال للناس:
لا تستثمروا ولا تأتوا إلى لبنان لتُمضوا فترة الأعياد؟
قد يكون لهؤلاء المصعِّدين أسبابهم وإعتباراتهم ليُخوِّفوا الناس، ولكن ماذا عن الوزراء الذين يُفتَرَض فيهم أن يُقدِّموا التفاؤل والأمل للناس؟
المؤسف في الموضوع أن بعض هؤلاء الوزراء يتصرفون وكأن الحكومة مستقيلة وهُم في مرحلة تصريف أعمال، العجيب في الأمر أنهم في وزاراتهم يتصرفون وكأن الوزارة باقية أبداً فيما الحكومة مستقيلة!
هذه واحدة من الألغاز اللبنانية غير المفهومة والتي ليس لها أي تعليل منطقي، فإما هناك حكومة وهناك وزراء يعملون وإما هناك وزراء إستقالوا فعلياً من آداء أدوارهم، فالمعيار الحقيقي لعمل الوزارة هو إجتماع مجلس الوزراء وحين يرفضون هذا الإجتماع فهذا يعني عملياً أنهم استقالوا من أدوارهم، فهل هذا هو موقفهم الحقيقي؟
إذا كان كذلك فليُعلِنوه للملأ لأن الإستحقاقات أمام الناس آتية وفي طليعتها الإنتخابات النيابية، فكيف سيفسرون تقاعسهم؟