رغم الهجوم الكاسح الذي تعرض له بيتر بينارت منذ أن نشر مقاله الشهير في يونيو الماضي الذي انتقد المنظمات اليهودية الأميركية فإن الأحداث تثبت صحة مقولاته وتؤكد دقة التحليل الذي قدمه.

وبيتر بينارت يهودي أميركي كان يعمل حتى وقت قريب رئيسا لتحرير «النيو ريبابليك» وهي واحدة من أكثر المجلات الأميركية دعما لإسرائيل. وبسبب هذه الخلفية مثل المقال الذي كتبه وجعا شديدا لأنصار إسرائيل.

فهو نشر في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس في الصيف مقالا بعنوان «فشل المؤسسة اليهودية الأميركية» وجه فيه انتقادات لاذعة للمنظمات اليهودية الأميركية المناصرة لإسرائيل واعتبرها مسئولة عن ظاهرة جديدة هي انفصال الشباب اليهودي في أميركا وجدانيا وسياسيا عن إسرائيل.

فهو سلط الضوء على التأييد الأعمى الذي تقدمه تلك المنظمات لأي ولكل السياسات الإسرائيلية مهما بلغت وقاحتها. ثم أثبت بينارت بالأرقام الهوة التي صارت تفصل بين الشباب اليهودي تحديدا وبين إسرائيل وحمل تلك المنظمات المسئولية بسبب تأييدها الأعمى لإسرائيل وملاحقتها لكل من يجرؤ على انتقادها من اليهود قبل غيرهم.

وقد وجه بينارت انتقادات حادة لإسرائيل نفسها التي أشار إلى التطرف الذي صار يسيطر على الأغلبية فيها وحذر من أنها تندفع نحو الفاشية بينما ترفض المنظمات اليهودية الأميركية توجيه أي انتقاد لها.

والحقيقة أن ما قاله بينارت ليس جديدا وانما قيمته في أنه صدر عن يهودي أميركي ليس معروفا بتاريخ مناهض لإسرائيل. فهناك بالفعل انفصال واضح بين المنظمات اليهودية الكبرى المناصرة لإسرائيل وبين عموم اليهود الأميركيين.

فتلك المنظمات لم تعد تعبر عن الأغلبية منهم. فمنذ السبعينات من القرن العشرين حدث تحول مهم في أداء تلك المنظمات وتوجهها الأيديولوجي.

ففي الوقت الذي ظل فيه اليهود الأميركيين من أكثر الجماعات الأميركية ليبرالية، أي على يسار الساحة الأميركية، انجرفت أغلب تلك المنظمات نحو اليمين وصارت ليس فقط أقرب لليمين الأميركي وانما بوقا لليمين الإسرائيلي وسياساته التي يرفضها أغلب اليهود الأميركيين.

والهوة التي تفصل المنظمات الصهيونية عن اليهود الأميركيين العاديين تبدو أكثر وضوحا في حالة الشباب. فقد اثبتت الدراسات المختلفة أن شباب اليهود في أميركا أكثر استقلالية في مواقفهم وأكثر جرأة في التعبير عن رفضهم للسياسات الإسرائيلية بالمقارنة بالأجيال الأكبر.

فهؤلاء تشكل وعيهم في وقت صارت فيه إسرائيل دولة احتلال تسعى للهيمنة الإقليمية وتملك سلاحا نوويا وتتفوق عسكريا على جيرانها مجتمعين. لذلك فهم يرفضون إعفاء إسرائيل من المسئوليات القانونية والأخلاقية بدعوى أنها دولة ضعيفة تعاني تهديدا لوجودها.

الأخطر من ذلك، أن الارتباط العاطفي بين شباب اليهود الأميركيين وإسرائيل في أدنى مستوياته كما قال بينارت نفسه.وقد حظي مقال بينارت منذ نشره باهتمام واسع داخل أميركا وخارجها.

فبينما احتفى به الكثير من اليهود الليبراليين في العالم واهتم بما جاء فيه الباحثون المهتمون بالعلاقة بين أميركا وإسرائيل، فقد تعرض الرجل ومقاله لهجوم شرس من المنظمات الصهيونية ومن أنصارها من اليهود الأميركيين المتعصبين، كان آخرها مقال نشرته مجلة كومنتري اليهودية التي صارت منذ عقود بوقا للمحافظين الجدد.

ومقال كومنتري يمثل نموذجا فجا للأطروحات التي يقدمها الإسرائيليون ومن يؤيدونهم تأييدا أعمى. فهو شن هجوما شديدا ليس فقط على بينارت- الذي اتهمه بتبرير سياسات إيران وحزب الله وحماس- وانما على اليهود الليبراليين عموما الذين اتهمهم بأنهم تخلوا عن إسرائيل.

ويكرر المقال كل الحجج المعروفة التي تعتبر إسرائيل حملا وديعا يهدف للسلام وسط أعداء لا يناصبونها إلا العداء. غير أن أطرف ما جاء في ذلك المقال هو حجة يبدو أنها ستستخدم على نطاق واسع في الفترة القادمة ضد اليهود الليبراليين.

فالكاتب، بعد أن وضع قائمة بأهم رموز الليبراليين اليهود ومجلاتهم ومواقعهم الإلكترونية وكأنه بلاغ لمن يهمه الأمر، اتهمهم بأنهم اختاروا الطريق الأسهل وهو انتقاد إسرائيل!

وتلك حجة طريفة فعلا، فالقاصي والداني في العالم كله يعلم أن انتقاد إسرائيل في الغرب هو الذي يمثل عبئا يتجنبه غير اليهود خوفا من الاتهام بالعداء للسامية ويخشاه اليهود خوفا من الاتهام بكراهية الذات أو خوفا من الشعور بالذنب. أما الكاتب فلم يوضح ما هي بالضبط الفائدة التي تعم على من يوجه انتقادات لإسرائيل!

لكن رغم كل ذلك الهجوم، فقد أثبتت الأيام دقة تحليل بينارت. ففي الشهر الحالي حدثت واقعتين أكدتا على ما قاله. أولها كانت تصويت اليهود الأميركيين في انتخابات الكونجرس الأخيرة.

فبينما ناصبت المنظمات اليهودية أوباما العداء منذ توليه، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 60% من اليهود الأميركيين يوافقون على سياساته تجاه إسرائيل، و78% منهم يؤيدون إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية.

بل أكثر من ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن إسرائيل لم تكن ضمن القضايا الرئيسية التي اختار على أساسها الناخبون اليهود مرشحيهم في انتخابات الكونجرس الأخيرة. فقد جاءت إسرائيل في الترتيب الثامن ضمن القضايا ذات الأولوية لديهم.

أما الواقعة الثانية، فكانت ما جرى أثناء انعقاد الجمعية العامة لاتحاد الهيئات اليهودية لأميركا الشمالية التي حضرها نتنياهو لإلقاء كلمة.

فقد تعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء إلقاء كلمته للمقاطعة الغاضبة خمس مرات على الأقل من جانب مجموعة من الشباب اليهودي جاءوا وسط هذا الجمع الضخم بلافتاتهم وشعاراتهم للاحتجاج علنا على سياسات إسرائيل ليس فقط في الأرض المحتلة وإنما داخل إسرائيل نفسها.

بعبارة أخرى، رغم كل الصلف الإسرائيلي والإمعان في إهانة الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم المشروعة فإن إسرائيل تدفع ثمنا باهظا إزاء ذلك الصلف حتى داخل أميركا نفسها بل وبين اليهود الأميركيين.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com