جمهورية طاجيكستان السوفيتية سابقا، والمستقلة حاليا، تعتبر من جمهوريات أسيا الوسطى الإسلامية، ونظرا للظروف الاقتصادية الصعبة في هذه الجمهورية مثل باقي جيرانها، فإن المناخ هناك يدفع الكثيرين.
من الشباب الذين لا يجدون عملا ولا مصدر رزق، على الالتحاق بالجماعات الدينية المتطرفة، هذه الجماعات التي، حسب مصادر رسمية حكومية، يؤسسها شباب من العائدين من الدراسة الدينية في دول أخرى مثل إيران والسعودية ومصر وغيرهم.
وزير خارجية طاجكستان همراخان ظريفي طلب من نظيره الإيراني منو شهر متكي المساعدة في إعادة المواطنين الطاجيك الذي يدرسون بشكل غير قانوني في مؤسسات التعليم الديني الإيرانية، وهناك أيضا نحو 130 طالبا طاجيكيا في جامعة الأزهر في القاهرة عادوا في الثامن من الشهر الجاري إلى وطنهم برحلة جوية خاصة على نفقة الدولة.
ونقلا عن مصدر في لجنة الشؤون الدينية في طاجكستان أن هؤلاء كانوا يدرسون في القاهرة بصورة غير نظامية، ويعتقد أن ما بين 800 و 1500 شاب طاجيكي يدرسون في هذه الجامعة العريقة، ويضيف المصدر المذكور أن من المتعذر إحصاء جميع الطلبة الطاجيك الذين يدرسون في المعاهد الدينية الأجنبية.
غير أنه من المعلوم أن عددا غير قليل منهم يدرسون في إيران ومصر والسعودية واليمن وتركيا وباكستان. ولقد تسنى للسلطات الطاجيكية مؤخرا إقناع 500 طالب بالعودة طوعا إلى الوطن.
والغريب في الأمر أن الدولة التي تسعى لإعادة الشباب من الخارج حتى لا يتحولوا للتطرف والإرهاب لا تستطيع أن توفر لهم فرص عمل مناسبة في البلاد بعد عودتهم، ويشير مصدر رسمي في لجنة الشؤون الدينية الطاجيكية أن الدولة غير قادرة على استيعاب جميع العائدين في المعاهد والجامعات الطاجيكية، ومع ذلك فالبعض منهم بدءوا دراستهم فعلا داخل البلاد.
كما تم استدعاء البعض الآخر إلى الخدمة الإلزامية. ويلفت المصدر إلى أن الرئيس إمام علي رحمون تحدث أواخر أغسطس الماضي عما وصفه بالتوجهات المتطرفة للعديد من المراكز الإسلامية في الخارج، وهذا ما ترك أثرا كبيرا على الشباب وأهاليهم.
كما دعا رحمون أولياء أمور الطلبة للعمل على إعادة أبنائهم إلى الوطن، محذرا من أن تلك المراكز التي يدرسون فيها الدين لن تجعل منهم علماء دين، بل ستحولهم إلى إرهابيين.
المسئولون في طاجكستان اعتبروا حديث الرئيس بمثابة إشارة لملاحقة المتدينين، ويلاحظ أن النساء العاملات في مؤسسات الدولة وكذلك الطالبات يمنعن من ارتداء الحجاب أو الملابس المخالفة للزي الطاجيكي في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية، كما يمنع الرجال من إطلاق لحاهم.
ويجري على قدم وساق تفتيش المساجد والمدارس وملاحقة رجال الدين الذين يُزعم أنهم يعطون الدروس دون حصولهم على شهادات التأهيل المطلوبة، وفي الوقت نفسه تروج السلطة الحاكمة بشكل واضح لنمط الحياة العلماني، ففي العاصمة دوشنبه يتكرر تنظيم عروض ومسابقات الأزياء.
وهي مظاهر غريبة على المجتمع الطاجيكي الشرقي المتدين، وأكثر من ذلك أن الرئيس رحمون وأفراد أسرته شاركوا مطلع الشهر الجاري في أول مسابقة على مستوى الجمهورية لاختيار أطول ضفيرة، في الوقت الذي استنكرت جهات دينية إقامة مثل هذه المسابقات.
إن هذا الصراع الذي بدأته السلطة يتخذ أحيانا مناحي غير متوقعة، حيث بدا التطرف على الجانب الآخر المضاد للدين، حيث من اللافت هنا أن المسئولين يتصرفون بشكل يدهش الجمهور فقد أشاروا فجأة إلى أن انخفاض مستوى التدخين وتناول المشروبات الكحولية يعد من مظاهر أسلمة المجتمع.
وتقول وكالة «آسيا بلوس» إن إنتاج الخمور في طاجكستان تقلص إلى العُشر في السنوات التسع الأخيرة، وثلاث مرات مقارنة بالعام الماضي. وترى السلطات أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى انتشار التيارات الإسلامية المتطرفة في الجمهورية وبخاصة التيار السلفي الذي يختلف جذريا عن المذهب الحنفي الذي تتبعه غالبية سكان الجمهورية، كما يمكن أن يغذي المنظمات الدينية المتطرفة.
وكانت دوشنبة أعلنت مؤخرا عن أن التنظيم الإرهابي «جماعة أنصار الله» (الذي ينضوي تحت الجناح المتطرف للحركة الإسلامية في أوزبكستان) ينشط على أراضي طاجكستان.
ويرى المراقبون أن المشكلة في هذه البلاد لن تحل بواسطة إجراءات المنع والحظر، ويدعون إلى عدم التخوف من جميع طلاب المؤسسات التعليمية الدينية في الخارج، وفي الوقت نفسه لا يمكن التسليم بأنهم جميعا يدرسون في ظروف طبيعية، ففي كثير من الحالات يتم إرسال أطفال في الرابعة من العمر للدراسة في هذه المدارس.
ويلعب المال في هذه الحال دورا رئيسيا، فالجمعيات الإسلامية تتكفل بكامل نفقات معيشة الطلاب في الخارج، الأمر الذي يحدد سلفا مستقبل الطفل ومصيره.
السلطات الطاجيكية قررت أن تعيد إلى الوطن جميع هؤلاء دون تمييز، ومن المؤكد إن الرقابة المشددة على الدين كالتي كان معمولا بها إبان الحقبة السوفيتية لن تحل المشكلة.
ففي تلك الحقبة كان لكل مواطن الحق بالحصول على تعليم مجاني، أما في الوقت الحالي فلا يتجاوز متوسط المرتبات في طاجكستان 60 دولارا، وبالتالي من الصعب الحصول على تعليم علماني، ولذلك يضطر الآباء لإرسال أبنائهم إلى مؤسسات التعليم الدينية التي ترعاها مختلف الجمعيات الإسلامية، وتأخذ هذه الجمعيات على عاتقها كامل تكاليف معيشة الطلاب وسفرهم.
وبحسب الخبراء والمختصين في شئون وسط أسيا فإن التعليم الديني الإسلامي ينافس نظيره العلماني. كما يتزايد تأثير السلفيين الداعين إلى تطهير الإسلام من التقاليد القومية، الأمر الذي يؤدي إلى انقسام المجتمع وتطرف شرائحه ما يشكل في النهاية رافدا لمجرى الصراع ضد السلطات العلمانية.
كاتب أوكراني
vladi1949@mail.ru