تجمعك الظروف مع طبقات اجتماعية عربية في مناسبات مختلفة، ودائماً السؤال يُحضر الماضي كصورة مشرقة عندما كانت الصحافة حرة، ووفرة في الغذاء وأسعاره الرخيصة وبرلمانات وصحافة حرة وقضاء على مستوى كبير من النزاهة، وشخصيات لامعة بنت مؤسسات وبنوكاً ومدارس وجامعات، وثقافة عالية لجيل من الرواد تتلمذ على أساتذة جامعات أوروبية على مستوى عالٍ من الكفاءة، وعند الحديث عن الحاضر تبرز صفات الأنانية، والفساد الإداري ومضاعفات السكان والتلوث وزيادة في البطالة، وتدن في التعليم وهي أسباب قلصت العلاقات الأسرية الحميمة، وأخلاقيات المجتمع وضاعفت الأنانيات الفردية، وتفسخ الأسر وتزايد فقرها..
بعض المجتمعات تشيخ رغم تناسلها وكثرة شبابها، لأن الأنظمة في حالة إعاقة دائمة، أي لا مبادرات تدفع بالتطور إلى الأمام، ولا اهتمام بالتنمية، ولا حريات تحاسب بيئة العمل، وتراكم للقضايا الحساسة دون حلول، ورُشى وهجرة أدمغة وحالات يأس من أي إصلاحات تلوح في الأفق، والأزمات المتصاعدة تُراكم نظماً اهتمت بشعارات تروّج لها وسائل الإعلام فصار فقه التغرير والتدليس والكذب مهمات لصرف الشعب عن التطور، وفتح منافذ للوظائف وكسب المعرفة، حتى الوصول إلى الجامعات والمدارس النموذجية دخلت فيه المحسوبيات والشخصيات النافذة في تلك الدول..
الأزمنة التي يحكي عنها معاصرون عرب من أجيال تلك المرحلة، تبهرنا بحقائقها أي أن «بروتوكولات» أسلوب حياة الأسرة، ونظامها الذي يشبه تنظيم قصور لندن وباريس وروما وطبقاتها «الأوروستقراطية» تذهب بنا إلى خيال بعيد، عندما كنا نكتفي بحياتنا الاجتماعية بزاد النخلة، وقربة لبن وماء بارد وبيوت من الطين وأمية ضاربة، ووسائل مواصلات تعتمد على الحيوانات، وعائلات مركبة تتعاون نساؤها على جلب الماء وطحن القمح، وأثاث أقل ما يقال عنه بأنه بدائي، خصف وسجاد منسوج من وبر الإبل ورجال، إن لم يهاجروا في سبيل كسب حمل بعير من الرز أو القمح، فهناك العمل في الحيازات الصغيرة كمزارع قد تعطي للأسرة كفايتها من الطعام، أو يداهمها الجراد وشح المياه وضعف بنية السواني..
في الحاضر هناك جيل لم يشهد تلك المرحلة التي كان فيها الطب الكي، ومنحة السماء تجود بالجراد كوجبات تعوض عن اللحوم وتكنز لسنوات طويلة، وعنز، أو بقرة، وسراج وآخر يحفظ للضيوف، بينما الحاضر قلَب الماضي سنوات ضوئية، مدن ووسائل مواصلات وطب متقدم وأغذية دخل فيها المطبخ الشرقي والغربي، وتعليم صار يتداول تقنيات العصر، ومواصلات وسكن يملك حداثة العصر بأثاثه وهواتفه وتلفزيوناته وغيرها..
هذه الوفرة إذا لم يصاحبها تطور في الإنسان ، واستغلال أمثل للثروات وحسابات دقيقة لمستقبل الأجيال القادمة، فسيأتي آخرون يحكون عن هذه المرحلة بحسرة مثلما يطلقه أخوة لنا من أبناء الأمة العربية على ماضٍ عزيز عليهم لم يتكرر ولن يعود..