يبادرني هذه الأيام كثير من الأصدقاء والمعارف بسؤال محير وقاس:انتم السودانيون كأفراد منتهى القدرة والذكاء، فلماذا فعلتم بوطنكم ما يحدث الآن؟ ويربكني السؤال واقف في العقبة، وأراجع صحة الاستنتاج واجده ـ للأسف ـ حقيقة.

فالسودانيون الذين انتشروا في دول الخليج منذ سبعينات القرن الماضي ساهموا بجهد مقدر في نهضة المنطقة. وتدرك تألقهم في كثير من المنظمات الدولية والإقليمية والتي تبعثهم كخبراء لبلدهم المسكين! ويرصد نبوغ السودانيين في كثير من الجامعات والمؤسسات العلمية الأجنبية.

فلماذا لم ينقذ هؤلاء السودانيون الأفذاذ وطنهم من المصير الكارثي الذي يتدهور إليه سريعا هذه الأيام؟ فأين الخلل هل السودانيون غير وطنيين أو لا يحبون بلدهم؟ كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة الشاذة والتي يمكن من خلالها فهم سلوك السودانيين السياسي وغير السياسي.

أولا، لابد من هذه الفرضية والتي تبدو غريبة، وهي:أن اغلب فضائل السودانيين والتي تحظى بإعجاب الآخرين هي في حقيقتها أكبر عيوب ورذائل السودانيين! فالسودانيون الذين يوصفون بأنهم جماعيون ومتماسكون، هم من أكثر الشعوب استعصاء ومقاومة للعمل الجماعي وروح الفريق.

وهذا ما يفسر كثرة الانشقاقات والانقسامات داخل أحزابهم وتنظيماتهم وجمعياتهم. وذلك لأن الحدة في المزاج تجعل من الصعب على السوداني ان يختلف مع الآخر في الرأي ثم يستمر في العمل معه في تنظيم أو كيان واحد.

ولهذا يسارع بالخروج ليكون تنظيمه أو يعتزل العمل أو «يحرد» كما نقول بالسوداني. وهذا خلل عميق في ديمقراطية السوداني المزعومة أي القدرة على قبول الآخر وما يتبع ذلك من تسامح واحترام الاختلاف.

والغريب في الأمر هو أن السودانيين عرفوا الحزبية ومارسوها منذ زمن طويل نسبيا. وهذا هو العيب الثاني الذي يبدو ميزة. إذ يوصف السودانيون بأنهم مسيسون جدا مقارنة ببقية الشعوب العربية. لذلك، كثرت عندهم الأحزاب.

شرع السودانيون منذ منتصف أربعينات القرن الماضي في تكوين أحزابهم والتي ولدت من رحم مؤتمر الخريجين. وقد عرف مؤتمر الخريجين والذي تأسس في عام1938 صراعات حادة لانتخاب لجنته التنفيذية كل عام.

وقد غرست حمى هذه الانتخابات الموسمية، المزاج الانشطاري والانقسامي في داخل النخبة السودانية والتي نقلته معها حين كونت الأحزاب ولازمها حتى اليوم. وقد كانت الحزبية السودانية وبالا على السودانيين فقد عمّقت خلافاتهم وأضافت لها أبعادا أكثر خطورة.

أقصد بذلك، أنها قامت ب«تحديث» العلاقات القبلية ودمجتها في المؤسسة الحزبية والتي يفترض أن تكون حديثة العضوية. ويصنف السودانيون الأحزاب إلى تقليدية وأخرى عقائدية.

والأولى تضم جماعات قبلية وعشائرية وطائفية-صوفية، ويمثلها حزبا:الأمة القومي(الأنصار) والاتحادي الديمقراطي(الختمية). وقد ساعدت عداوات الحزبين وتنافسهم المستمر، رغم دخولهم في العديد من التحالفات الثنائية وتشكيلهما لحكومات ائتلافية، في بناء حواجز نفسية وفكرية بين أعضاء الحزبين.

وقد اضر هذا الوضع واستمراره لزمن طويل بنمو الشعور القومي بين السودانيين. وظلت هذه الولاءات الطائفية-الحزبية تعلو على كل شعور آخر. ولم يتعلم الحزبان قيمة التعالي على المكاسب الحزبية من اجل صالح الوطن.

ولعل الكثيرين يذكرون المماطلة والتسويف حول مبادرة قرنق ـ الميرغني في عام1988. فقد انشغل الحزبان بخلافات ثانوية قائمة على التنافس والمكاسب حتى باغتتهم الجبهة الاسلامية القومية بانقلاب30يونيو1989. وهذا من ابرز المواقف على ضعف الحس القومي الذي يعيب السودانيين.

لا نريد التحامل على الأحزاب التقليدية، فالأحزاب المسماة :عقائدية أي الشيوعيين والاسلامويين والقوميين والبعثيين، فهم الأسوأ. وذلك لأنهم ينظرون ويبررون مواقفهم، فهي عمدا ومع سبق الإصرار.

فهذه الأحزاب ؟بلا تعسف-هي أقل قومية وأضعف ارتباطا بالوطن. فهي تشترك في جعل السودان-الوطن مجرد وسيلة لتطبيق الايديولوجيات الكبرى التي تؤمن بها. فالسودان-بطريقة أو أخرى ـ يمثل:«القطر أو الدولة القاعدة» حسب مصطلح نديم البيطار.

وهذا يعني أن يبدأ منها مشروع الايديولوجيا ثم ينطلق إلى بقية الدول. فهم يجعلون من وطنهم مختبرا لتجريب أفكارهم، وما التجربة الإسلامية الحالية في السودان إلا خير دليل للتجربة والخطأ. وقد تحول الشعب السوداني إلى ما يشبه الفئران في المعامل.

فقد كانت شعارات هذه القوى والأحزاب فوق قومية أو عابرة للأوطان، فهي ذات طابع عالمي أو أممي أو قومي عربي. فقد كان الإخوان المسلمون يهدف إلى أن تنطلق الدولة الإسلامية الحديثة من السودان.

وبالفعل حاول الشيخ حسن الترابي ان يجعل من الخرطوم مركزا لأممية إسلامية من خلال المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في مطلع التسعينات بعد حرب الخليج حيث استضاف السودان كل الحركات الإسلامية المعارضة والشخصيات الإسلامية المقاتلة.

وكان للشيوعيين السودانيين مواقع مميزة في اتحادات العمال والشباب والطلاب التي تعبر عن أممية الحركة الشيوعية. واحتل البعثيون السودانيون مناصب في القيادة القومية لحزب البعث العربي. وهكذا ارتبطت الأحزاب العقائدية أكثر بالفكرة الرئيسية الكبرى للحزب الأم على حساب الانتماء الوطني الضيق حسب تصورها.

من أكبر نقائص النخبة السودانية أنها كانت محافظة جدا على مستوى الممارسة وهي تتناقض دائما مع أفكارها المتقدمة والثورية والداعية للتغيير. ويمكن القول بأن النخبة السودانية تصل حد انفصام الشخصية(الشزوفرنيا).

فالمثقف السوداني لم يستطع التخلص من قوة ثقافة المجتمع التقليدي الذي ولد ونشأ فيه، فكانت سطوة التقاليد لا تقهر. فقد رضي المثقف بهذه العلاقة المتناقضة خشية الصدام مع المجتمع، مرددا: يجب أن نحترم عاداتنا وتقاليدنا، دون الجرأة على اختبار صلاحية وفعالية هذه العادات والتقاليد.

وكان هذا الوضع من أسباب الأزمة السودانية بالذات في علاقة الشمال والجنوب أو العرب وغير العرب. فقد كان المثقف الشيوعي التقدمي الشمالي أو الأخ المسلم الملتزم«العربي»، يقف نفس موقف جدته أو والدته لو تقدم شاب جنوبي أو من قبائل زنجية للزواج من أخته.

وقد تبنت النخبة السودانية بمختلف توجهاتها الفكرية رواسب الشعور العنصري فساهمت في تكريس عدم التمازج القومي. ومن الواضح أن عجز النخبة السودانية في هذه الجبهة الثقافية والعرقية قد فاقم أزمة نهوض الدولة الوطنية القائمة على المواطنة، والتي كان يجب العمل على تأسيسها منذ الاستقلال.

تخلت النخبة السودانية عن مسؤولية بناء وطنها حين قررت بحسم وأنانية منقطعة النظير، أن تبني نفسها أولا وللسودان رب يحميه. ومنذ منتصف سبعينات القرن الماضي اندفعت النخبة السودانية في عملية «الاغتراب».

وهي بالفعل اسم على مسمى، إذ لم يكن مجرد اغتراب جغرافي في المكان بل اغتراب شامل طال العقل والسلوك والذوق وحب الوطن وأصبح الوطن حقيبة وتطاولوا في البنيان والاستهلاك. وانتقل الوطن من المليون ميل مربع إلى الفضائيات.

وصاروا يهددون أطفالهم بالذهاب إلى السودان، ولو جاءت بهم ظروف الدراسة فهذا هو الجحيم. وإذا عدنا إلى سؤال البداية، لعلمنا أن ذلك السوداني المتفوق ظل غريبا عن وطنه باستمرار حتى قبل أن يغادره، لذلك حرم الوطن من العطاء ورد الجميل رغم أن الوطن قطع من لقمته ليعلمه ويرفع من قدره.

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com