لايزال الرئيس الأميركي باراك أوباما مركزاً اهتمامه على الرئيس السابق جورج بوش. وعلى مدار عامين تقريبا، دأب أوباما وفريقه على استهلال تفسيراتهم للظروف الصعبة للاقتصاد الأميركي والأوضاع المالية والحالة القاسية في الخارج بقولهم: «بوش فعل ذلك». من الواضح أنهم كانوا يعتقدون أن معظم مشكلات أميركا، داخلياً وفي الخارج، بدأت مع ولاية جورج بوش، أو على الأقل لم تتجاوزه.

في البداية، كانت عادة من السهولة بحيث يمكن الوقوع فيها. الأمور لم تكن في أفضل أحوالها في يناير 2009، عندما تولى أوباما الرئاسة. والأهم من ذلك أن أوباما بدأ الرئاسة بحصوله على شعبية بنحو 70%.

وفي المقابل، ترك بوش الرئاسة كسلفه الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان بشعبية متدنية عند مستوى الثلاثينات. لم يكن لتركيز أوباما على سلفه معنى في بداية توليه مهام منصبه، وهو يصبح إساءة كارثية لقراءة الحقائق السياسية.

وتعكس استطلاعات الرأي الأخيرة أن بوش وأوباما أصبحا الآن متساويين تقريباً في الشعبية. حيث عانى أنصار أوباما في مجلس النواب أسوأ هزيمة للديمقراطيين منذ عام 1938.

وقد خرج الرئيس من واشنطن للقيام بجولة خارجية بعد الانتخابات مباشرة، فإذا به يلقى معاملة فاترة من الزعماء الأجانب الذين كانوا أصدقاء في ظروف أفضل، وقد استشعروا الآن ضعفه.

أما بوش، وعلى النقيض، يتنعم بالتغطية الإعلامية التي لا نهاية لها في الوقت الذي يعرض مذكراته الأكثر مبيعاً، كي يبدو فوق مستوى النزاع الحزبي، في الماضي والحاضر.

اختار الناخبون قبل أكثر من عامين الرئيس أوباما على أساس مجموعة متنوعة من الأسباب، بداية من التعاسة التي شعروا بها مع الرئيس السابق بوش وحرب العراق حتى الرغبة في رؤية معلم جديد يتمثل في انتخاب أول رئيس أميركي من أصل إفريقي.

لقد قضى الانهيار المالي الذي بدأ في سبتمبر 2008 للابد على البروز المحدود الذي تمتع به «جون ماكين» في استطلاعات الرأي. وأعادت حالة ذعر إلى أذهان الناخبين شعورهم بعدم الارتياح في ظل العجوزات في عهد بوش وتوسيعه لنطاق الحكومة.

ولسوء الحظ فقد أساء أوباما قراءة كل هذا، وانتهى الأمر إلى الدعوة لكثير من الأشياء التي فعلها بوش لتنفير الناخبين.

ارتفعت العجوزات البالغة 500 مليار دولار إلى عجوزات تصل إلى 4,1 تريليون دولار. وتوارت الكثير من برامج بوش الضخمة وغير ممولة مثل مزايا الأدوية من برنامج الرعاية الطبية والاستحقاقات وقانون تعليم الطفل وسرعان ما طغت عليها برامج مثل «أوباماكير».

وتطورت خطة الإنقاذ المبدئية التي أقرها بوش في شكل خطة حفز عملاقة واستحواذات متعددة الأوجه. وكانت النتيجة، سواء كان هذا الحكم عادلاً أم لا، أن جرائم بوش المالية بدأت تبدو مثل الجنح الصغيرة. واعتبر ناخبو حزب الشاي أن برنامج أوباما للرعاية الصحية أسوأ من المرض الأصلي الموروث من عهد بوش.

وكان هناك الاهتمام الاستحواذي نفسه ببوش في الشؤون الخارجية ،ولكن مع إساءة القراءة في هذا المجال. فقد تم تنفير الجمهور عبر العنف والتكاليف في العراق، ولكن بخلاف ذلك لم يكن هناك تخوف بشكل خاص إزاء سياسة بوش الخارجية التقليدية أو بروتوكولاته لمكافحة الإرهاب.

وإنه لأمر غاية في السوء أن يغفل أوباما المستغرق في التركيز على بوش هذه الحقيقة البسيطة. لذلك فعندما هدأت الأمور بشكل كبير في العراق عند تولي أوباما المسؤولية، فإن لازمة «فعلها بوش» اعتبرت بالية وكان يتعين إسقاطها.

أطلق أوباما المعارض للحرب حملته الانتخابية معتمدًا على إغلاق معتقل غوانتانامو، وإنهاء المحاكم والاعتقالات، وانتقاد قانون المواطنة والهجمات بالطيران الموجه عن بُعد.

ولكن بمجرد إبعاد العراق عن المعادلة، سرعان ما اكتشف أوباما أن هذه السياسات القديمة المرعبة من عهد بوش كانت مفيدة وشعبية نسبياً. لذا فقد اضطر إلى الاحتفاظ بها أو التوسع فيها. والتقلب المفاجئ في موقف أوباما أصاب الأميركيين بالارتباك: فلماذا، بطريقة تتسم بالنفاق، يتبنى الآن إرث بوش بعد أن اعتاد بشكل مستمر تحقيره؟

عندما حاول أوباما رسم سياسة خارجية جديدة وأكثر بروزاً من باب المعارضة الصاخبة لسياسة بوش، نرى المفارقة تتوالى. فمعظم الأميركيين لا يريدون محاكمة خالد شيخ محمد، المتهم بتدبير أحداث الحادي عشر من سبتمبر أمام محكمة مدنية، التي تزخر بالحيل القانونية. ولم يفكروا في أن الإعلان عن مواعيد نهائية مصطنعة لسحب القوات القتالية تعتبر فكرة براقة بشكل خاص.

كما أنهم لم يتوقعوا أن يشمل العلاج الأكثر وضوحاً لغرور بوش و مبادئ «حياة أو موت» التي يتبعها أهل تكساس الخضوع للحكام المستبدين في الصين، أو الاعتذار في الخارج عن الآثام المزعومة للولايات المتحدة.

إن نجاح بوش في تنفير أوروبا بشأن العراق لا يعني أن أوباما الرافض التشبه ببوش لا يمكنه مفاقمة الوضع من خلال طباعة مليارات الدولارات، وحث الدول الأوروبية على الاقتراض أكثر على غرار النمط الأميركي الطائش، والتقليل من أهمية الحلفاء القدامى، من بريطانيا إلى بولندا.

لذا فإنني أطرح هنا اقتراحاً مهذباً على الرئيس أوباما، وهو أنه بعد حوالي عامين من ولايتك، فلتطلق سياساتك الخاصة بك إما باتجاه النجاح أو الفشل استناداً إلى ميزاتها، من دون أن تجعلها حبيسة أغلال بوش.

باختصار، أود أن أقولها للرئيس الأميركي: فلتخرج من شخصية بوش الباسمة الآن والمعاد تأهيلها نسبياً، قبل أن يلتهمك هذا التركيز على بوش ويلتهم رئاستك.

أستاذ في جامعة ستانفورد الأميركية

opinion@albayan.ae