اليوم يتجدد الاهتمام بقوة بقضايا المحيط الهندي مع صدور كتاب «الرياح الموسمية ـ المحيط الهندي ومستقبل القوة الأميركية» للكاتب والباحث الأميركي روبرت كابلان.

غير أننا نلاحظ، على الفور تقريباً، أن المقولة الأساسية لكتاب كابلان ليست بالقوة المتوقعة حيث ان كابلان يقدم للقارئ ثلاثة أنواع من الكتابة قد تشتته عن الطرح الأساسي للكتاب، أولها كتابة رحلات يقوم بها المؤلف في أرجاء حوض المحيط الهندي، وثانيها صور تاريخية سريعة تمتد عبر المحيط، وثالثها تحليل استراتيجي شامل.

جوهر ما يقدمه كابلان في هذا الكتاب المهم، هو أن المحيط الهندي على الرغم من تحوله خلال الحرب الباردة إلى مياه خلفية استراتيجية، إلا أنه منذ نهاية تلك الحرب، وبصفة خاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر انتقلت بؤرة الاهتمام الأميركي إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرقها وكذلك مياه غربي المحيط الهادي.

وبالتالي فقد أصبحت أميركا بحاجة ماسة إلى طرق جديدة للنظر إلى العالم، وبخاصة تلك الأجزاء التي كانت من المنظور القديم تبدو منقسمة، ولكنها بالفعل عناصر مندمجة في كل واحد متماسك.

ولكن لماذا يهمنا نحن العرب هذا الذي يطرحه كابلان في «الرياح الموسمية»؟

إنه يهمنا لأننا في قلب ما يقدمه لنا، عبر صفحات هذا الكتاب، وما يطلق عليه «اللعبة الكبرى الجديدة» والتي تتخذ ساحة لها ما يسميه «المحيط الهندي الأوسع نطاقاً».

وليس من قبيل الصدفة أن يبدأ كابلان زياراته لمراكمة المواد الميدانية اللازمة لإعداد الكتاب من سواحل الخليج، لأن مناط اهتمامه هو ذلك النطاق الهائل الممتد شرقاً من القرن الإفريقي عبر شبه الجزيرة العربية والهضبة الإيرانية وشبه جزيرة الهند، وصولاً إلى الأرخبيل الإندونيسي، امتداداً حتى الصين.

من الواضح أن هذا الكيان البحري الهائل يحتل بؤرة اهتمام العالم اليوم، في المقام الأول، لأن ممراته البحرية تجتازها ناقلات نفط هائلة، تحمل جانباً من الطاقة العالمية لا يستهان به وعلى امتداد جانب كبير من شواطئه الغربية يحتدم الحراك السياسي.

وفي المحيط الهندي تتداخل مصالح الولايات المتحدة والصين والهند ونفوذها. ويقول كابلان إنه هنا: «ستتجلى ديناميات القوى العالمية للقرن الحادي والعشرين».

ولا يتردد كابلان في الإشارة إلى أن الصين هي، في المقام الأول، المسؤولة عن إطلاق «اللعبة الكبرى الجديدة» عبر المحيط الهندي، ذلك أن نموها الاقتصادي الهائل جعلها تنطق باحثة عن الأسواق والمواد الخام وفي المقام الأول عن مصادر الطاقة، حيث تجوب ناقلاتها الظامئة إلى النفط الممرات المائية من غربي المحيط الهادي، نزولاً عبر مضيق ملقا، وامتداداً عبر المحيط الهندي إلى الخليج.

لكن هذه الممرات البحرية تهيمن عليها البحرية الأميركية، مما يشكل تهديداً خطيراً من منظور بكين، استجابت له بطريقتين، الأولى هي البدء في بناء قوتها البحرية، والثانية هي السعي إلى طرق امدادات بديلة أقل تعرضاً للتدخل من جانب القوة الأميركية والقوى المعادية الأخرى.

ونتوقف طويلاً عند ما يمكن أن نسميه «نبوءة كابلان»، فهو يتوقع أن تفسح السيطرة الأميركية على المحيط الهندي الأوسع نطاقاً المجال لنوع من السيطرة المشتركة الأميركية ـ الهندية ـ الصينية، وهذا التوقع يفتح الباب على سيناريوهين، محددين.

أولهما أن تتابع هذه القوى مصالحها في التجارة والتنمية تحت مظلة من السلام، وتتصدى في غضون ذلك للقراصنة وقوى التطرف، والسيناريو الثاني الأكثر قابلية للتحقق هو تزايد دوافع التنافس، بما يدفع واشنطن ونيودلهي إلى العمل بجهد أكبر وفي تقارب أعظم لموازنة قوة الصين المتزايدة.

ويبقى السؤال الكبير: أين العرب من هذا الذي يجري قاب قوسين أو أدنى منهم؟

كامل يوسف حسين