الحلم بتحول روسيا إلى بلد ديمقراطي أخذ يراود المواطنين الروس منذ أن انهار الاتحاد السوفييتي.ولم يكن هذا الحلم مقتصراً على طبقة معينة دون سواها، بل تطلعت إليه النخبة، والطبقة العاملة، والطلاب، والأكاديميون، والعسكريون والمدنيون على حد سواء.حتى أن الديمقراطية أصبحت شكلاً من أشكال الموضة.
لكن الديمقراطية بمفهومها البسيط، فسرت بشكل مختلف لدى مختلف الشرائح الاجتماعية. فالأغلبية أرادت أن تسخّر الديمقراطية لخدمة مصالحها، أما أصحاب العقول التجارية النيرة وأصحاب المعامل، ومدراء الأسواق التجارية، فاتخذوا من الديمقراطية وسيلة للالتفاف على القانون والتهرب من الضرائب.
وأما الأثرياء الذين جمعوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة، فتعني الديمقراطية في قاموسهم إمكانية نقل وإنفاق الأموال مجهولة المصدر دون أية قيود أو ضوابط، وثمة قلة «حالمة» كانت ولا تزال تنظر إلى الديمقراطية نظرة تنسجم مع المفهوم الأوروبي، وممثلو هذه ال«قلة» كانوا تقليدياً متأثرين بنمط الحياة الغربي.
فعلى سبيل المثال، كان الكتاب والصحافيون يتطلعون للتخلص من قيود الرقابة، والعمال كانوا يأملون بأن تساعدهم الديمقراطية في رفع أجورهم، لتصبح في مستوى الأجور التي يتقاضاها نظراؤهم في الغرب، أي أن الديمقراطية في مخيلة الكثيرين مفتاح سحري إلى عالم جديد وسعيد، لكن الأمور في الواقع لم تكن تسير على هذه الصورة.
صحيح أن الديمقراطية بصورتها المبسطة، تعني أن باستطاعة الإنسان أن يعبر عن رأيه بحرية وأن يقول ما يشاء، وأن ينتقد السلطة الحاكمة دون خوف ولا تهديد، وأن يشارك في الانتخابات، أو يمكث في البيت إذا شاء.
وإذا أراد الذهاب إلى الكنيسة فلا مانع في ذلك، وإذا أراد أن يوجه نقداً لاذعاً للقساوسة، فبإمكانه فعل ذلك، وله أن يتحول إلى البوذية دونما حرج أو مساءلة، وله الحرية أيضاً في أن يبقى بلا دين، وله الحرية المطلقة في قراءة ما يشاء من الكتب، ومشاهدة ما يشاء من الأفلام.
وبما أن الحرية الاقتصادية متوفرة فإن الأسواق التجارية مليئة بكل ما يتمنى المرء، وللجميع الحرية المطلقة في الاختيار بين البضائع الأوروبية غالية الثمن، وبين البضائع الصينية الرخيصة، كل حسب مقدرته الشرائية وحسب ذوقه.
وباستطاعة المواطن ليس فقط أن يُعلن عن معارضته للسياسة التي ينتهجها الثنائي بوتين ـ مدفيديف، بل وأن يخرج لسانه تعبيراً عن استيائه بل وسخريته من هذا المسؤول أو ذاك.
كل هذه الأشكال من الحرية ولكن هذه التصرفات لن تغير في الواقع شيئاً. وهنا تكمن الحقيقة المرة للديمقراطية في تطبيقها الروسي.
لقد أخذت الديمقراطية الروسية طابعاً شكلياً بحتاً منذ البداية، حيث كان الظاهر أن كل شيء مسموح به، بينما كانت القيود موجودة كما هي، هذا النوع من الديمقراطية، يمكن أن يضمن الاستقرار السياسي لفترة محدودة، لكنه، على المدى البعيد، لا يستطيع إخراج روسيا من مستنقع التخلف.
علماء الاجتماع لاحظوا أن الاستطلاعات المتكررة لآراء المواطنين الروس تكشف عن خيبة أمل كبيرة في النظام السياسي القائم حالياً في البلاد.
حيث أعرب 84% ممن استطلعت آراؤهم، عن قناعتهم بأنهم لا يستطيعون أن يغيروا أي شيء في سياسة البلاد، وأنهم لا يشعرون بأن هناك شيء قد تغير في النظام الحاكم في البلاد، ويعلق البعض على ذلك أن النظام القائم حالياً يستحق كل نقد.
فهو في صورته الحالية يبدو عقيماً وضيق الأفق. فقد أثبت عجزه عن تحقيق التقدم الذي يصبو إليه المجتمعُ الروسي، ويحتاجُه بصورة ماسة، في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والتحديث.
كما أنه لم يتمكن من معالجة المشكلة الديموغرافية، المتمثلة في التناقص المستمر في عدد السكان، ومشكلات أخرى كثيرة لم يتم حلها.