كرّست الأونيسكو، الثاني والعشرين من نوفمبر، يوماً للاحتفاء بالفلسفة، وفيه تُثار شؤونها وشجونها، ما لها وما عليها، ما أخفقت فيه، وما بوسعها أن تجترحه من إمكانات في مواجهة التحديات المتعلقة بحياة البشر ومصائر المجتمعات. والفلسفة هي كأي نشاط بشري أو حقل معرفي، تتعدد المداخل إليها بقدر ما لا يستنفد الكلام عليها، وتخضع للتجدد والتطور بقدر ما تختلف الآراء بشأنها.
ولا شكّ أن الفلسفة شهدت، في النصف الثاني من القرن العشرين، تطوّراً كبيراً هو أشبه بالقطيعة أو الطفرة؛ مما جعل البعض يتحدث عن نهايتها أو موتها. هذا ما أوحت به إليهم مقولة «نهاية الإنسان» بحسب ما قرأوا العبارة.
وهؤلاء أُخذوا بظاهر اللفظ وقرأوا المعنى الحرفي بفهمٍ ساذج. فالمسألة تتعلق في النهاية، سواء في ما خصّ الإنسان أو الفلسفة، بنهاية عهد وولادة آخر، بانبجاس موجة جديدة وانحسار أخرى.
ومن عجيب الأمور أن الكثيرين، من غربيين وعرب، قد استقبلوا هذا التطور بصورة سلبية أو عدائية، ومنهم من خشي منه على فلسفته وحداثته، أو على إنسانيته، كما يفعل الذين يفكرون بعقل أصولي تراجعي، دفاعاً عن قناعات واهية أو مواقف مُسبَقة.في أي حال، لم تعد الفلسفة تُفهم أو تمارس، كما كانت من قبل، وسط كل هذه التحوّلات والتحديات، وذلك من غير وجه،.
من حيث الموضوع، قد تنفرد الفلسفة بكونها لا تختص بموضوع معين، كالفيزياء، أو الطب، أو علم اللغة أو الاقتصاد... ولذا بوسع من يتفلسف أن يتناول أي موضوع كان، واقعة أو ظاهرة أو تجربة، حدث أو حقل أو خطاب، لكي يجعله مثار السؤال والمناقشة أو محور التأمل والتحليل أو مدار النظر والتقييم...
واليوم ثمة اقتحام لمناطق جديدة كانت مستبعدة، وربما مرذولة، من قبل العقل الفلسفي المتعالي. ولذا نجد فلاسفة يكتبون عن لعبة كرة القدم، كما يتناولون مسألة الوجود والعدم.
من حيث الطريقة تختلف المناهج بتعدد المداخل، فهناك البرهاني والتأويلي، والعرفاني، والمتعالي، والجدلي، والظواهري والأثري، والتفكيكي، والكلبي... ولا يعني ذلك أن الفيلسوف هو أسير منهج واحد بقوالبه الضيقة، أو نظرة وحيدة الجانب والدلالة.
بهذا المعنى ليس العقل واحداً، وإنما هو متعدد في ذهن الفرد الواحد. قد يفكر أحدنا بصورة استدلالية على مستوى، وبصورة حدسية على مستوى آخر. وقد يفكر تداولياً في مقام، وكلبياً في مقام آخر.
من حيث العُدّة، للفلسفة، كأي حقل معرفي آخر، أدواتها في تحليل الوقائع أو معالجة المشكلات أو تقييم الأعمال. فالنتاج الفلسفي هو صناعة فكرية تتجلّى على شكل مقولة أو معادلة أو إشكالية أو ثنائية أو أية لغة مفهومية.
ولذا، فالفيلسوف هو مَن يشتغل بالأفكار وعليها. من غير أن يعني ذلك أن الفلاسفة يحتكرون عمل التفكير، الذي هو ميزة الإنسان، عموماً، بصرف النظر عن مهنته. الأمر الذي جعلني أُطلِق لقب المفكرين المحترفين على كل من يشتغل بصناعة الأفكار وإنتاج المعارف.
من حيث المهمة، فإذا كان الفيلسوف يتعاطى بالشأن الفكري ويعمل على الأفكار، فإن همّه الاول، سواء قرأ نصاً لفيلسوف آخر، أو حلل واقعة أو تجربة كالحرب أو الحب، هو تجديد العدة الفكرية، بصورة من الصور أو على مستوى من المستويات، كأن يجدد ويطور في حقل النظر أو في طريقة التفكير أو في اللغة المفهومية أو في نسق المعرفة أو في سلم القيم أو في قواعد المداولة أو في منطق المعنى...
وليس كل من يثير مسألة التجديد هو مجدد. قد يتحدث الواحد عن الجديد بمنهج قديم أو باستخدام مفاهيم قديمة. عندها يكون التجديد أشبه بالحمل الكاذب. مثال ذلك أنك تجد من يحدثك عن الجديد لدى دولوز أو فوكو بصورة لا جديد فيها، أي باستخدام أدوات وطرائق تمّ تجاوزها عند كل من الفيلسوفَيْن.
وهذا فخ يقع فيه الكثيرون، ممن يعرضون أقوال الفلاسفة للوقوف على مقاصدهم. ذلك أن من يشرح نصاً أو قولاً لن يكون أفضل من صاحبه في التعبير عن مراده. من هنا لا شرح من دون إحالة أو زحزحة، ولا قراءة خصبة من دون استثمار يأتي بالجديد، غير المنتظر وغير المتوقع.
على أنه، أياً كان الاختلاف في المنهج أو العدّة أو الحقل، فإن الفلسفة هي نشاط نقدي بالدرجة الاولى. ولذا نرى الفلاسفة من أكثر الناس اشتغالاً بالمساءلة والاعتراض والجدل والحجاج، أو بتطوير وسائل ذلك. إنهم يملكون عيناً نقدية تجعلهم لا يركنون الى ما يظهر في العلن أو في ما يطرح ويقال، في مواجهة الواقع بتعقيداته وتحوّلاته، بمفارقاته والتباساته، بأفخاخه ومتاهاته...
والنقد لا يقتصر على كشف ما هو سلبي، كما يتمثل في اشكال الحجب والخداع والتضليل والتلاعب والزيف، أو في تبيان ما استُهلك وصدئ وفقد مصداقيته أو فاعليته من النظريات والمعالجات، هذا جانب.
أما الجانب الآخر فهو اجتراح امكانات للفهم والتشخيص، بفتح أفق أو شق وجهة أو ابتكار صيغة أو وضع نظرية أو اختراع قاعدة...
وهكذا، فالفلسفة، بوصفها خبرة وجودية في ممارسة استقلالية الذات وحرية التفكير، قد توقظنا من غفلتنا بقدر ما تزعزع قناعاتنا الراسخة، وتسهم في تغيير خارطتنا المعرفية بقدر ما تفتح أبواباً للنظر والعمل. بهذا المعنى، فالفيلسوف هو من يجترح طرائق جديدة للتفكير، تماماً كما أن الشاعر يجترح طرائق جديدة للتعبير.
وفيما يعنيني، فأنا تشكّلت لدي عين نقدية، هي التي تجعلني أقلب الآية أو أكشف اللعبة، فأقول بأن دعاة الحداثة هم الاكثر رجعية وتخلفاً، أو أقول بأن الواحد قد يصرّح بأنه عرفاني في مؤلفاته، في حين أن التحليل يكشف بأن ما يؤلفه هو نتاج لعمل الفكر وإعمال العقل.
وبالعكس قد يصرح الواحد بأنه عقلاني، فيما هو يصدر في ما يؤلفه عن هويً رهيب، كما هو حال الفلاسفة الذين يعشقون المفاهيم والنصوص، أمثال الفارابي وكنط. كذلك، قد يصرح السياسي بأنه وطني أو قومي أو تحرري، فيما التفكيك يكشف بأن يصدر عن فكر طائفي، فئوي، أحادي، استبدادي..
هذه العين النقدية هي التي تجعلني لا أثق كل الثقة بالانسان، ولا أقف موقف المدافع عن حقوقه. صحيح أن البشر يقدمون أنفسهم، بوصفهم استثناء، بين الكائنات. ولكنهم هم مصدر المساوئ والمخاطر والمصائب، بمشاريعهم وصنائعهم وأطماعهم وأهوائهم، كما يتمثّل ذلك في هذا الداء المثلث: البربرية، العدمية، الكارثة.
من هنا نقدي للانسان بمختلف نماذجه وعقائده. ما نحتاج اليه ولادة نموذج جديد، يتسم بالتقى والتواضع، بالتحرّر من صور القداسة والعظمة والعبقرية والمركزية والنرجسية، وكل ما يولّد ما نشكو أو ندّعي محاربته.
كاتب لبناني
harb@cyberia.net.lb