بين إفاقة وإغماءة، يرش التاريخ بعضاً من عبر تكاد لو تتحصل على أي قوة لأصبحت ناظماً لتظلمات وحقوقيات اللعبة السياسية المعاصرة. لكن للمستضعفين دوماً عنب الذاكرة، بينما يعب المهيمنون الجدد من كروم الحقيقة النابتة في حقول الجغرافيا.
تعلق المغلوب على أمره بالحقائق الغافية في بطون كتب التاريخ، مقابل تربع الغالب بأمره على ثمار الحقائق الناشئة على أرض الواقع، هو ما يفسر صفقات المقايضة السياسية في «لعبة الأمم» وتبدلات المواقع والنفوذ إن في ساحات الوغى أو على موائد المفاوضات، فالمقايضة سيدة الموقف بين الخصمين حال انتفاء أي بارقة أمل لحسم النزاع بينهما.
وفي الحالة الفلسطينية، يتبدى ذلك أكثر، فلا الروح الصلبة لدى الشعب الفلسطيني لانت لجهة الاستسلام إلى قدر جديد و«أوديسة» عصرية.
ولا انفكت المعادلة الدولية أو تفكك التحالف الفكري الأميركي الأوروبي المعتصم بالتخلص من «المعضلة اليهودية» وتصديرها للشرق الأوسط، وهو ما يجعل المقايضة السياسية أمراً محتوماً، لا يملك الطرفان بداً منه في الطريق إلى المحاولات الخفية المخبأة في الوجدان الجمعي، وجوهرها أن الأرض المقدسة لا يمكن لها أن تحتمل نقيضين.
هنا لا بأس للفلسطيني ومعه العربي عموماً من تنقيب نفسي بحت في صفحات التاريخ، لفهم مدى حرفية المقايضة لدى اليهود القدامى، ومقدار ما تسرب عبر التوارث الجيني للجدد المتجمعين من كل الأعراق والأطياف، حول فكرة عبثية تلغي العصبية العرقية الأولى لدى الإنسان وتحاول جاهدة استبدالها ب«قومية دينية»!
وهنا لا بد من التوضيح أن المقارنة الآتية لا تحمل في طياتها بعداً عقائدياً، بل مقاربة مصلحية، فالعهد اليهودي القديم يتحدث عن رب موسى راعياً ل«الشعب المختار»، والعهد الأميركي الجديد يشير إلى أن الراعي لدولة إسرائيل هي الولايات المتحدة التي طالما ميزت هذه الدولة عن بقية محيطها، بوصفها «واحة تحضر وديمقراطية» في محيط «همجي استبدادي»!
حين تمكن موسى عليه السلام من تخليص اليهود من العبودية لدى الفراعنة، وعبر بهم الصحراء احتجوا على ما فعله بهم، ما اضطره بغية استدراج إيمانهم بما أتى به لأن يغمر الصحراء بالمن والسلوى، بعدما واصلوا التأفف وهم يخوضون في البحر الأحمر الذي شق موسى مياهه لينجيهم من بطش الفرعون.
لم يعجبهم شيء وواصلوا طلب المزيد من الأثمان لقاء إيمانهم برسالة موسى السماوية، ما استفز غضبه كذا مرة ونعتهم بأقذع الصفات.
فهل عصي علينا أن نفهم سعي بنيامين نتانياهو إلى صفقة المقاتلات الأميركية الأحدث في العالم، مقابل أن يمن على راعيه الأميركي بمعروف تجميد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية لثلاثة أشهر فقط.
يضاف إلى ذهنية المقايضة هذه، سبل إتمامها الملتوية عبر إحدى تجلياتها السوداء المسماة بالرشوة، التي فسر بها اليهود مزاعم العهد الجديد بشأن قيام المسيح عليه السلام بعد الدفن في المغارة، حين قالوا انه تمت رشوة حراس المغارة لفتحها.
وهنا أيضاً لن نستغرب وجود أعضاء في الكونغرس الأميركي من غير اليهود الذي يتشددون لمصلحة إسرائيل أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، وما يلزم نظرة واحدة فقط على مصادر تمويل الحملات الانتخابية لهؤلاء.
المقايضة أيضاً يلزمها حرفية عالية ودهاء «شيلوكي»، وإلا غامر الفلسطيني بأرضه التاريخية عبر رهن استعادتها بضربة حظ!
Adonis02@hotmail.com