صدر التقرير الأول من سلسلة تقارير التنمية الإنسانية العربية عام 2002 لينسجم مع تقرير التنمية البشرية الدولي الذي يصدره سنوياً البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNPD)، ومنذ ذلك الحين صار هذا التقرير منبراً للنقاش البناء والتداول السلس حول التحديات التنموية الأشد إلحاحاً في المنطقة العربية بسبب تركيز التقرير على الأولويات التنموية خصوصاً في قطاعات التعليم والصحة والبيئة.

المعلوم أن دليل التنمية البشرية يعتبر تقريرا مركبا واحد الأساليب العلمية لقياس مؤشرات التنمية البشرية المستدامة في الدول العربية، ضمن الاتجاهات التي يمكن من خلال عمليات التحليل الإحصائي للبيانات المتاحة التعرف على ما تم إنجازه في قطاعات الخدمات الاجتماعية الأساسية التي اشرنا إليها.

وفي كل عام يهتم تقرير التنمية البشرية بأحد القضايا المحورية ذات العلاقة بالتنمية المستدامة، ففي تقرير عام 2006 احتلت دول مجلس التعاون الخليجي موقعاً متقدماً ضمن ترتيب الدول العربية وتبوأت خمس دول مكانة جعلتها ذات تنمية بشرية عالية، فالكويت احتلت المرتبة 33 والبحرين 39 وقطر 40 والإمارات 49 وسلطنة عمان 66.

واعتبرت السعودية ذات تنمية متوسطة شأنها شأن الدول العربية غير النفطية، والمعلوم أن النفط كان وراء التقدم المحرز في دول الخليج، عندئذ لم ترحب الجهات المسؤولة بما جاء في التقرير ولم يجد القبول والاستحسان، ولكن المراجعة الموضوعية أبانت أن تدني خدمات الصحة والتعليم كان وراء تراجع موقع الإمارات.

مما جعل الجهات المعنية تعكف على قراءة التقرير، فتبين أن الاهتمام بالكم طغى على نوعية الخدمات، ثم تسارعت التطورات الداخلية بعد تبنى الدولة لسياسة إعادة الهيكلة، فبرزت اتجاهات جديدة، انسحبت الدولة من بعض التزاماتها لصالح القطاع الخاص، وفي 18/5/2007 أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء استراتيجية حكومة الإمارات.

كان الهدف من تبني رؤية استراتيجية هو إحداث تحولات نوعية في سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية لتمكين دولتنا لتحتل موقعاً متقدماً ليس بين دول المنطقة بل بالنسبة للعالم، طلب سموه من كافة الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية تبني استراتيجيات تنسجم مع أطروحات استراتيجية الحكومة وكان ذلك دافعاً لحراك اقتصادي واجتماعي بلغ ذروته عام 2009.

وأصبحت معايير الجودة والتميز المؤسسي مدعاة للتنافسية، وبهذا أصبح صناع القرار مطالبين بالنزول إلى مواقع العمل، ولم يعتبر المنصب القيادي تشريفاً بل تكليفاً يستوجب المساءلة والاستجواب في المجلس الوطني.

بل والمحاسبة كما حدث في بعض جلسات المجلس، هكذا بدا واضحاً أن ملامح مرحلة جديدة بدأت في الظهور تعمل على إحداث إصلاحات شاملة تدعو إلى اقتصاد قائم على المعرفة، اقتصاد بقدرات تنافسية ومنتجة وتأسيس عقد اجتماعي تتحدد معه وبه علاقة الدولة بالمواطن.

والأهم من ذلك تطوير النظام التعليمي والخدمات الصحية ومعالجة الاختلالات التي أدت إلى تراجع دولة الإمارات في تقارير التنمية البشرية في وقت احتلت فيه النرويج مكان الصدارة بالنسبة للعالم مع ان الظروف الموضوعية للنرويج لا تختلف كثيراً عن الإمارات كما تشير بعض الدراسات.

أصبحت الرؤى الإستراتيجية للدولة تعمل على تجاوز التحديات والإشكاليات التي تقف دون تنفيذ أطروحات استراتيجية حكومة الإمارات الداعية إلى توسيع خيارات الناس واكتساب المعرفة والارتقاء بالتعليم نوعاً وليس كيفاً ويتطلب ذلك عدم الاطمئنان لحالة الاسترخاء الذي ساد بعض الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية سعياً لإيجاد مسار جديد لخارطة طريق لتنمية بشرية مستدامة.

ليرتفع ترتيب دولة الإمارات ضمن تقرير التنمية البشرية باعتبارها دولة ذات تنمية بشرية عالية.

وبالأمس، فقط بالأمس تحول الحلم إلى واقع، فإذا بدولة الإمارات تحتل موقع الريادة وتتصدر المركز الأول بين الدول العربية في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، وفي ذلك صرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أن الفضل إنما يعود لرؤية قيادة ومؤسسي دولتنا.

وكتب سموه في آخر تدوين له باللغة العربية والانجليزية على صفحته الشخصية في موقع « فيسبوك » يقول: « إنني فخور بتصدر دولة الإمارات للمركز الأول للدول العربية في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة ويعود الفضل في ذلك إلى رؤية قادتنا ومؤسسي دولتنا». ونحن كمواطنين لهذه الدولة ولهذا الوطن المعطاء لا يحق لنا إلا أن نفخر ونتفاخر بقادتنا وصناع القرار السيادي في بلادنا.

كاتبة إماراتية

moza@bmig.ae