الجدل الذي رافق زيارة الرئيس الإيراني احمدي نجاد إلى لبنان في أكتوبر الماضي، وما أثارته من خلافات، لم يكن مطروحا تجاه الزيارة المشابهة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في الأسبوع الأخير.

جاء اردوغان إلى لبنان في أجواء ترحيبية اقل صخبا من تلك التي حظيت بها زيارة احمدي نجاد، الذي آثر المحتفون به الاستعراض العددي المتعمد وحشد آلاف المرحبين في الضاحية الجنوبية، وفي بنت جبيل، وهي رسالة لم تخطئها عين، فيما اختار المرحبون ب(الطيب) اردوغان أسلوباً أكثر هدوءا، ولم يعكر حفاوة الاستقبال سوى احتجاج محدود ومفهوم من الطائفة الارمنية.

وعلى عكس الانتشار الواسع للعبارة الفارسية (خوش اميد) التي رفعت ورددت ترحيبا بنجاد، واستفزت البعض خاصة خارج لبنان، لم يتم تداول عبارة مقابلة في التركية على النطاق ذاته للاعراب عن حميمية الاستقبال الذي حظي به اردوغان.

اردوغان قال إن تركيا معنية بوحدة لبنان المتنوع بكل طوائفه ودياناته، وانها تقف على المسافة ذاتها من الجميع، عارضا الوساطة لترطيب الأجواء الملتهبة التي تثيرها قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، والمخاوف ـ بل والمخاطر - التي يمكن أن تنتج عن القرار الظني للمدعي العام للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

ورغم تنقل رئيس الوزراء التركي بين شمال وجنوب لبنان، فان الأمر لم يشكل استفزازا لإسرائيل، التي أثارت زيارة نجاد إلى الجنوب حفيظتها، حد تحليق الطائرات الإسرائيلية على مقربة من حشد خاطبه الرئيس الإيراني، فالخلافات الإسرائيلية التركية ورغم تصاعدها لم تصل حد القطيعة، وإنهاء تحالف تاريخي اثر بلا شك في القضايا العربية في سنوات سابقة، فيما العداء السافر لا يمكن التقليل منه بين تل أبيب وطهران.

ومن دون الإغراق في المقارنات بين زيارتي نجاد واردوغان الى لبنان، فان تركيا تريد الآن، ومن منطلق مصالحها كقوة اقليمية، فتح أبواب ونوافذ أكثر مع العرب، بعد أن اكتشفت ان غيابها عن ساحتها الشرق أوسطية قلل من فرصها حتى في اللحاق بالركب الأوروبي، ولعب حلقة الوصل بين الغرب والشرق الإسلامي، ومن هنا يفهم هذا الانفتاح التركي على المنطقة وقضاياها في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية.

اليوم تسعى انقرة إلى تعويض ما فات، ومحاولة الانخراط أكثر في القضايا العربية، وكسب القلوب الشعبية، جنباً إلى جنب مع نسج خيوط علاقات رسمية أكثر متانة، مع فضاء عربي زاخر بالفرص السياسية والاقتصادية معا.

تدرك تركيا وهي تتحرك على الساحة اللبنانية، بعد الفلسطينية، انها تسد فراغا هائلا ولده الضعف العربي، وانكماش مؤسسات الفعل العربي في التعامل مع قضايا متفجرة، وأخرى كامنة، تقول هل من متصد؟!

تحاول انقرة اليوم كسر قيود كبلتها في ظل الانكفاء على الذات، وإدارة الظهر لمحيطها العربي، وشعور الأتراك، حتى وقت قريب، بما يعتبرونه خيانة عربية للدولة العثمانية، ولان لغة المصالح هي ما ينتصر أخيراً، أدرك الأتراك أن قوتهم الإقليمية لا بد ان يكون لها ثمن، يدفع بإعادة النظر في مجمل علاقاتهم وتحالفاتهم، مع العدو والصديق سواء بسواء، وهذا ما يحاول اردوغان وحكومته العمل من اجله عبر تحركاتهم في السنوات الأخيرة وخاصة على الساحة الشرق أوسطية.

وبالضرورة فان تركيا لن تدفع أثمانا، من دون الحصول على مكاسب تعزز مكانتها كلاعب على رقعة الشطرنج الإقليمية، وهذه المكاسب لا بد ان تكون بالخصم من لاعبين آخرين، ومن هنا يفهم التنافس التركي الإيراني على المنطقة.

وان اختلفت الأهداف، والنوايا، والدوافع التي تحرك الطرفين باتجاه الانغماس في القضايا العربية، وسط بؤس عربي لا حول له ولا قوة أمام تناهش القوى الدولية والإقليمية لجسد مريض انهكته الخلافات، وتكاد الانقسامات تجهز عليه.