يعد الغزو الفكري الخارجي خطرا يهددنا ويهدد أمننا الوطني، ولكنْ هناك خطر من نوع آخر إنه قادم ليس من الخارج بل من بيننا. إنه يرتع بين ربوع مجتمعنا، ويتمتع بخير بلدنا وبإحسان أهلنا.

إنه خطر يتربص بوحدتنا الوطنية وقيمنا التي تربينا عليها وتسامحنا الاجتماعي بل وصورتنا لدى الآخر. هذا الخطر الفكري متمثل في تلك الأصوات التي تدعي وتتبنى النقد الاجتماعي وهي في واقع الحال بعيدة كل البعد عنه.

بعض من هذه الأصوات يدعي الوطنية والولاء للوطن على الرغم من أنه لا يظهر إلا النقيض، والبعض الآخر بدعوة الدفاع عن المصلحة العامة على الرغم من أنه لا يعرف إلا مصالحه الخاصة. إنها الأصوات التي لا يمكن وصفها إلا بمن يدس السم في العسل.

بعض من هذه الأصوات يدعي الدفاع عن المصالح العامة، ولكنه في منهاج حياته وطريقة تفكيره بعيد كل البعد عن كافة القيم التي ينادي بها. هذه الأصوات تدعي النقد البناء وتدعي أنها تنتقد لأنها حريصة على المصلحة العامة وبدافع من حق كفله لها الدستور وهو حرية الرأي. هي تدعي أنها مدفوعة بحس وطني بحت بينما واقع الحال يقول شيئا آخر.

إنها تكتب وتجاهر بآرائها لأسباب معروفة، وبالتأكيد ليس من بينها المصلحة القومية لأنها تهدف إلي إثارة النزعات وبث الفرقة وإثارة الضغينة عبر نبش قضايا مثيرة للجدل ومشتتة للوحدة.

البعض الآخر ينتقد لأنه لم يتعود إلا النقد ولا يهدف إلا للهدم، تحس في صوته مرارة، وفي أنفاسه حقدا مدفونا، وفي نبرته شماتة محسوسة، يتحين الفرص للانقضاض علينا ويتخذ من كل مشكلة أو قضية مشجبا لكي يعلق عليها نقده اللاذع وحقده الدفين وعجزه المشين. إنه ضعيف ولا يحس بالقوة إلا بهذا الأسلوب.

هذه الأصوات هي بعيدة كل البعد عن قضايا وهموم المجتمع لأنها لا تهمها أصلا، وبعيدة كل البعد عن الحركة الثقافية، لأنها لا تنتمي إليها أصلا، وبعيدة كل البعد عن هموم الشارع لأنها لا تعيش معه أصلا.

هي تعيش في برج عاجي فلا تختلط بالناس لكي تعرف همومهم ومعاناتهم، ولا تعرف غير مصالحها وهمومها، ولا تنزل للميدان إلا عند الضرورة. هذه الأصوات لا تختار إلا القضايا المثيرة للجدل والمؤججة للفتن والمحرضة على التمرد المجتمعي، لأن هدفها ليس الإصلاح وإنما الهدم، فهي تمسك القلم بيد ومعول الهدم باليد الأخرى، عملها النخر وليس النقد، وهدفها الشهرة وجذب الانتباه وربما الكسب المادي.

هذه الأصوات من حقنا أن نعريها، وأن نقف ضدها وأن نتجنبها ونهمشها ونقصيها، لأن هدفها إثارة الفتنة بمختلف أنواعها وإثارة النزعات الفردية، وخلق بيئة اجتماعية غير صحية ولا تناسب مجتمعنا ولا تاريخنا ولا قيمنا المتوارثة ولا التسامح الذي تربينا عليه، وهي ليست حرية رأي مسؤولة لأنها تتعدى كل الخطوط ولا تعترف بالآخر.

في حديث لأحد أصحاب تلك الأقلام صرح بأنه يتوق لحرية الرأي، وأنه يضيق ذرعاً بتلك المساحة الهامشية الضيقة التي تعطي لأصحاب القلم، وبأنه لا يستطيع التعبير عن آرائه نظرا للهامش البسيط والسقف المتدني المتوفر لحرية الكلمة، إنه يضيق بتلك المساحة المطروحة أمام «حرية التعبير» وتلك المفروضة بالتحديد على أصحاب «الآراء الجريئة»، وإنه سوف ينشر نتاجه بعيدا لأنه ضاق ذرعا بتلك القيود المفروضة علي كتاباته لدينا.

صاحب هذا الرأي تناسى أنه لو لم يكن يتمتع بحرية التعبير لما أنتج هذا النتاج أصلاً، وأنه لو لم يكن يملك مساحة من الحرية كافية لما صرح بهذا الرأي من الأساس، وإنه لو لم يكن يتنفس عبير الحرية ويتمتع بكافة الضمانات الاجتماعية والفكرية لما كان لديه الوقت والمتسع للكتابة أصلاً.

وفي حديث آخر لأحد تلك الأصوات التي لا تعرف إلا النقد نجده يوجه نقدا لاذعا نحو مجتمعنا، مشبها اقتصاده بالاقتصاد «الطفيلي» ومجتمعنا ب«المادي» و«الطبقي» والعنصري.

هذه الأصوات وأمثالها وتلك الأقلام وأشباهها تمثل خطرا حقيقيا لوحدتنا الوطنية ومصالحنا العليا، لأنها ليست حرية رأي مسؤولة، بل أسلوب من أساليب التشهير الرخيص، والدعاية المغرضة التي لا تهدف سوى إلى إثارة البلبلة والضغينة وتعمل باتجاه الفرقة الاجتماعية.

إن مجتمعنا صغير وحديث العهد بالمؤسساتية، وتعيش بين جنباته فسيفساء بشرية من كل الأجناس والأطياف، ولا يتحمل مثل تلك النزعات المسمومة والأحقاد الدفينة وتلك الحرية غير المسؤولة التي تبثها تلك الأصوات.

هناك من يتخذ من قلمه أو صوته أو نفوذه وسيلة لتسديد ضربة موجعة لنا، نتيجة لحقد مدفون أو عجز بين، ولمجرد أنه امتلك مساحة صحفية أو فضائية، تمكنه من استغلالها لتسديد سهام تعابيره وكلماته في صدورنا جميعا، غير مبال بما يمكن أن تسببه تلك الهجمات من ضرر لوحدتنا الاجتماعية والوطنية وعلى صورتنا لدى الآخر.

إن هناك سقفاً للحرية الفكرية وحرية الرأي المسؤولة، وجميعنا واعون لأهمية وجود هذا السقف في هذه الظروف التاريخية الراهنة وأهمية المحافظة على المكتسبات المجتمعية التي حققناها خلال العقود السابقة. فوحدتنا الاجتماعية والمحافظة عليها أهم بكثير من آراء غير مسؤولة، وبالتأكيد أهم بكثير جداً من آراء بنيت على قيم مستوردة.

جامعة الإمارات

fatimaalsaayegh@hotmail.com