بين قرار التفاوض وعدمه ثمة أسئلة أساسية لابد منها عن مبررات التفاوض ودوافعه وأهدافه، وينطبق ذلك بشكل صريح وواضح على الحال الفلسطينية, فإذا كانت إسرائيل تنتزع من مسألة التفاوض قضية القدس، وقضية الحدود، والمستوطنات، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم, فما مبررات التفاوض, وما مادته وموضوعه, وما دوافعه أساساً؟.

ذلك أن أي سلام بين الفلسطيني والإسرائيلي يستلزم بالضرورة تحقيق مصالح الفلسطيني واحتياجاته وبناء دولته وأمنه وانجاز حقوقه, وقد ألغت إسرائيل بشكل نهائي كل ذلك عبر خطوات متعددة وفي مراحل مختلفة, إذ ترفض بشكل قاطع كل مطلب فلسطيني مهما بلغ حجمه وشأنه, ثم تدعو الفلسطينيين إلى التفاوض، وتتحدث عن السلام معهم, وهذا بطبيعة الحال نوع من «البروبغندا» والتضليل الإعلامي الذي اعتادت إسرائيل ممارسته طوال العقود السابقة. وإذا كان كل ذلك واضحاً وجلياً أمام الجميع من العقلاء، فإنه من غير المفهوم لماذا يستمر التفاوض أو حتى مجرد الحديث عنه؟ ولماذا يطرح بعضهم السؤال التالي: ما الخيارات الأخرى أمام الشعب الفلسطيني؟ وكأنه يريد أن يقول: لابد من الانصياع إلى المطالب الإسرائيلية, وأن هذا الانصياع هو الخيار الوحيد البديل من التفاوض, وبذلك يبدو التفاوض بحد ذاته انتصاراً عربياً وخياراً أفضل من خيار الانصياع حتى ولو لم يفض إلى انجاز أي من الحقوق الفلسطينية. الطريقة التي يطرح بها هذا النقاش يتعمد بعضهم فيها تغييب مفهوم الصمود والمقاومة، وفي الحد الأدنى تغييب مبدأ الامتناع عن تقديم المزيد من التنازلات للعدو تحت عنوان الحاجة إلى مفاوضات وعدم الوصول إلى مربع لا يكون فيه أمام الفلسطيني أي فرصة لتحقيق أهدافه. ‏

لقد بات واضحاً أن تغييب أهمية المقاومة وضرورتها وحاجتها أدى بالمحصلة إلى تجريد الفلسطيني من مكمن قوته, علماً أنه ليس من خيار أمام القيادات الفلسطينية جميعها لتحقيق الحلم الفلسطيني سوى إعادة الاعتبار لمنطق المقاومة ومسارها وخطابها وثقافتها واعتبارها مصدر قوة وركيزة حقيقية لمقابلة «الإسرائيلي» بكل أشكال التقابل، وتذكير من لا يتذكر أن لا أحد يدخل غرف التفاوض معتمداً على عدالة ونزاهة الوسيط وخاصة إذا كان هذا الوسيط أميركيا ًالذي هو في حقيقته شريك مطلق لإسرائيل، أو على مساندة الآخرين خارج غرفة التفاوض... ‏

على طاولة التفاوض يحتاج المتفاوض إلى أوراقه وقوته، فإذا تخلى عن أحدها تحولت هذه الغرفة إلى غرفة استسلام وهزيمة. ‏

ولهذا فإن الفرق شاسع بين غرف التفاوض التي تحتاج إلى أنداد ووسطاء نزيهين, وبين غرف الاستسلام التي يملي فيها طرف على آخر شروطه وطلباته بحضور شاهد من أهله ليس إلا... ‏

في الغرفتين طاولة يجلس الجميع حولها لكن الفرق أن في الأولى «التفاوض» طاولة محادثات لإنجاز حقوق، وفي الثانية طاولة لإهدار هذه الحقوق تحت مسمى التفاوض!.‏