تصريح المتحدّث الرسمي بوزارة الداخليّة بأن الأجهزة الأمنية، خلال الأشهر الثمانية الماضية، أوقفت 19 خليّة في عدد من مناطق المملكة معظمها في بداية التكوين، وهي تضمّ 149 شخصاً ممن لهم علاقة بالأنشطة الإرهابية، بينهم 124 سعوديّا، و25 من جنسيات مختلفة؛ يدل على استمرار الجهود الأمنية الراصدة لتحرّكات أتباع الضّلال، فضلاً عن الوصول إليهم والقبض عليهم، وتلك إنجازات يدين بها الوطن والمواطنون للأجهزة الأمنيّة.
تفاصيل التصريح تعيد الأذهان إلى المسألة الفكريّة؛ ذلك أن العدد الكبير من المنتمين إلى هذه الخلايا، يعني استمرار الخلل الفكري المؤدّي إلى سهولة التغرير بحديثي السنّ، واستقطابهم لتنفيذ مخططات العناصر الإرهابية التي تستهدف الوطن بمقدراته ومواطنيه والمقيمين فيه، ممّا يحتّم الوقوف على مواطن الخلل الفكري، ومراجعة الممارسات التي تُمرّر من خلالها الأفكار التي تيسّر تجنيد الشباب.
الخلل الفكري يتوزاى مع غفلة مجتمعيّة مستمرّة، تظهر في جانبين: أحدهما؛ غفلة الأسر عن بنيها، وعدم متابعة مخالطيهم وتوجّهاتهم الفكريّة، وتغليب العاطفة على العقل في التعامل مع الأبناء. والآخر؛ استمرار تدفّق الأموال على أعضاء هذه التنظيمات، حيث يفيد التصريح بضبط مبالغ نقدية تفوق المليوني ريال، وهو رقمٌ كبير بالنظر إلى سنوات تنظيم التبرّعات وطرق جمع الأموال، مما يعني استمرار إحسان الظن المفضي إلى سهولة مخاتلة المتبرعين.
المعلومة الأخطر في تفاصيل التصريح، هي اعتراض مخططات في مراحل متقدمة لتنفيذ اغتيالات بحق رجال أمن، ومسؤولين، وإعلاميين، ومستأمنين، ودلالات هذا توجّه جديد يقوم على تعيين مَن تستحلّ هذه التنظيمات دماءهم، وهي فكرة قائمةٌ على "نظريّة الفسطاطين" الفاسدة، وإن كانت ـ من جانبٍ آخر ـ تدلّ على سعي هؤلاء نحو استحداث أساليب جديدة في الإرهاب والترويع، وذلك يوحي بانغلاق الكثير من الأبواب أمامهم، ولذا حاولوا فتح أبواب جديدة.
إشارة التصريح إلى بعض المعلومات الثابتة، كتمركز قيادات التنظيم في الخارج، تجعلُ من التعاون الدولي ـ في هذا الصدد ـ خياراً مقدماً، وليس أدلّ على ذلك من عمليّات الطرود المفخّخة التي كان التعاون الدولي بقيادة السعودية سبباً مباشراً في إحباطها.
التنظيم الإرهابي يعمل على اختراق المجتمع بكلّ فئاته، ويتخذ جميع الأساليب الممكنة، ولذا كانت امرأةٌ بين الداعين إليه عبر الشبكة العنكبوتيّة، مما يفتح الباب على تساؤلات كثيرة عن المصادر التي استقت منها هذا الفكر حتى صارت من دعاته.
يتحتّم أن تتوازى الجهود الأمنية الناجحة مع حزم اجتماعي، وتصحيح فكري، ووعي شمولي بأساليب هذه التنظيمات في التجنيد، فالحال لم تعد تحتمل المزيد من التراخي المجتمعي والفكري.
