مشهد خروج الشعب البريطاني بالآلاف في ميدان الطرف الأغر بلندن توازيا مع انعقاد قمة حلف الناتو الأخيرة بالعاصمة البرتغالية لشبونة للمطالبة بسحب القوات البريطانية من الورطة الأفغانية التي أوقعتها فيها التبعية السياسية البريطانية للولايات المتحدة الأميركية رافعة الشعار والسؤال الكبير «ماذا نفعل في أفغانستان؟!» لم يكن هو المشهد الأول من هذا النوع الرافض للحروب الغربية العدوانية بغير جدوى والتي تبدو حروبا ضد الشرق بكل حضاراته.
فلقد تكررت تلك المشاهد من الجماهير الشعبية ذاتها وفي العاصمة نفسها وفي الميدان ذاته مثلما جرى في عواصم وميادين أوروبية وعالمية أخرى بعشرات ومئات الآلاف، بل وبالملايين احتجاجا على العدوان الأنجلو أميركي على العراق، مطالبة الانسحاب الفوري لقوات الغزو رافعة نفس السؤال الكبير «لماذا يموت أبناؤنا في العراق ؟!.». وهي المشاهد التي لم تقتصر على العواصم الأوروبية بل والأميركية أيضا احتجاجا على الحرب في فيتنام .
ويبدو أن «الناتو» حين أقر أخيرا إستراتيجية الخروج من أفغانستان تحت ضغط الخسائر العسكرية والأزمات الاقتصادية والضغوط الشعبية السياسية ورفض بعض الدول الأوروبية الاستمرار في الحرب، كان يقر في الوقت نفسه بكل وضوح بعد تسع سنوات من الحرب العدوانية بالفشل العسكري في تحقيق الهدف المعلن للغزو الأطلسي، مثلما يقر أيضا بفشل القوة العسكرية مهما بلغ جبروتها في إخضاع الدول المستقلة الرافضة للتبعية، أو الشعوب المصممة على الحرية وعلى مقاومة الهيمنة الاستعمارية.
واللجوء إلى إستراتيجية «أفغنة الحرب» في عهد أوباما غطاء للهروب الكبير من أفغانستان بعد مواجهة شبح الهزيمة، ليس التجربة الفاشلة الأولى لحلف الناتو بقيادته الأميركية التي تعتمد القوة الحمقاء القصيرة النظر التي لا تتعلم من تجارب التاريخ، فقد سبق لها في عهد نيكسون الهروب الكبير من فيتنام بعدما واجهت الهزيمة تحت غطاء «فتنمة الحرب»، كما بدأت في عهد بوش الهروب الكبير من العراق تحت غطاء «عرقنة الحرب».
وهي في كل مرة تعيد تجربة الفشل، وهذا إقرار بالفشل المتوالي لإستراتيجية الخروج من المستنقعات التي أغرقت السياسة الأميركية جيشها وجيوش الناتو فيها، وهو ما يمثل أخيرا إقراراً لإستراتيجية الخروج التدريجي من الوجود خصوصا بعد غياب حلف وارسو من الوجود في نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين على صدى السؤال الكبير عن جدوى استمرار هذا الحلف بعد زوال «الخطر السوفييتي» .
وبدء مرحلة جديدة من التعاون مع روسيا، وبعد فشل قيادته الأميركية في العراق وأفغانستان وفلسطين، وبعد تصدعه الداخلي وغياب مبررات استمراره مهما حاول تجديد صياغة استراتيجياته القديمة .
لكن جراب الحاوي الأميركي بقى مليئا ليس فقط بالثعابين ولكن أيضا بالشياطين لإشاعة الخوف الزائف ولصناعة الأعداء الوهميين لتبرير شن الحروب للهيمنة على الشرق ولترويج تجارة السلاح، فبعد انتهاء شيطنة «الخطر الشيوعي» على الغرب لاستمرار الوصاية على أوروبا، والذي في ظله تم تبرير غزو فيتنام، تم اختراع «الخطر الإسلامي» والسعي إلى شيطنته لتبرير استمرار الحلف الذي وضع في إستراتيجيته في نهاية التسعينات ما أسماه «الإرهاب الإسلامي» وفي ظله تم تبرير غزو أفغانستان الذي انتهى بالفشل في بالأفغنة «لشبونة »، وتم تبرير غزو العراق الذي انتهى بالعرقنة في «بغداد».
وفي إستراتجية الحلف الجديدة القديمة في محاولة لإطالة عمر الحلف أضاف الحلف أخطارا أخرى نووية وبيولوجية وصاروخية والكترونية، ولجر روسيا للانخراط في خطط الحلف وتوريطها معه في أفغانستان، أضاف أخيرا المخدرات كأعداء لشن الحروب الاستباقية عليها خارج القارة الأوروبية، ولتمرير نظام الدرع الصاروخية الموجهة أساسا ضد روسيا بحجة أنه لحماية أوروبا من خطر الصواريخ الإيرانية .
لكن روسيا التي لها تجربة خاسرة في أفغانستان والتي لا تريد أن تعيد الفشل بدت غير مقتنعة في المؤتمر الأخير لا بالتورط في أفغانستان، ولا بقبول فكرة أن الدرع الصاروخية ليست موجهة ضدها.
والتي بقيت تعارض مثل هذه الدرع الغربية دون شراكة كاملة مع الغرب في إدارة هذا النظام وتوجيهه لم تبلع الطعم ليبقي أمر الدرع معلقا، وهذا ما عكسته تصريحات الرئيس الروسي ميدفيديف الذي حضر قمة الناتو الأخيرة بعد تجميد لسنوات على إثر الحرب الروسية الجورجية.
وفي سعي الحلف لتوريط تركيا مع كل من إيران وروسيا بنشر درع صاروخية للناتو على أراضيها تحت غطاء الإعلان أن الدرع ليست موجهة ضد دولة بعينها، اشترطت تركيا أن تقوم هي بالدور الرئيس في إدارة هذا النظام على أراضيها، وعدم توجيهه ضد إيران جارة تركيا التي ترتبط معها بعلاقات قوية، بل وعدم ذكر إيران أساسا وتم لها ما أرادت واستجاب الحلف لما فرضت من شروط وضمانات.
لكن الأهم هو أن التململ الأوروبي من الهيمنة الأميركية بدا واضحا تحوله في المؤتمر الأخير للحلف متمثلا في رفض عدد من الدول الأوروبية عدم الاقتناع بجدوى الحرب أو بمشروعيتها، وعدم الرغبة في استمرار مشاركة قواتها فيها، إما بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها أوروبا التي نتجت أساسا من الأزمة المالية الأميركية.
وإما بسبب الخسائر البشرية للجنود الأوروبيين وبسبب احتجاج الرأي العام الأوروبي على الحروب وعلى التبعية لأميركا مما يزيد الأزمة السياسية بين الشعوب والحكومات الأوروبية، ولهذا ربما تبدو إستراتيجية الحلف الجديدة للسنوات العشر القادمة هي الإستراتيجية الأخيرة لحلف آن له الخروج من التاريخ توفيرا لأرواح الشعوب الغربية والشرقية.
وتوفيرا للأموال التي تنفق على الحروب للإنفاق على معالجة الأزمات الاقتصادية التي أصبحت تعانيها جل دول الحلف وللإنفاق على التنمية حيث الحرب على الفقر أجدى كثيرا من شن الحرب على الحرية باسم الحرية وعلى الإسلام باسم «الحرب على الإرهاب ».
فهل بدأ العد العكسي لهذا الحلف؟ وهل ستكون محطة لشبونة هي آخر المحطات؟ أم بداية جديدة؟ أم بداية النهاية؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات العشر القادمة.
كاتب مصري
