بعد مرور أكثر من عشر سنوات دون توصل حلف «ناتو» إلى مخطط لمسيرته في السنوات العشر المقبلة، اتحدت الدول الأعضاء في الوقوف وراء «مفهوم استراتيجي» في قمة لشبونة التي عُقدت أخيراً.

هذا التحديث كان ينبغي القيام به منذ وقت طويل، فالتهديدات الموجّهة ضد «ناتو» تغيّرت جذرياً منذ نهاية الحرب الباردة، عندما بدت النسخة الأولى من الحلف ذات الأربعين عاماً فجأة تفقد أهميتها.

وبدون الخطر السوفييتي، فماذا كان الغرض من تمركز جيوش ثابتة في موقف دفاعي تجاه الشرق؟ أما في النسخة الثانية من «ناتو» في فترة ما بعد الحرب الباردة، فقد أعاد «ناتو» اكتشاف غرضه، في الوقت الذي رسخ السلام في أوروبا الشرقية الحديثة العهد بالديمقراطية، وتمكن من إدارة الأزمات في منطقة البلقان، ودخل حرباً طويلة بعيداً في أفغانستان.

والآن فإن «ناتو» يعيد اكتشاف ذاته. وسوف تظل المهمة الأولى لقوات التحالف الكندية والأميركية والأوروبية هي الدفاع المشترك، بمعنى أن أي هجوم على طرف يعتبر هجوماً على الجميع.

ولكن «ناتو الجديد» من المتوقع أن يلزم نفسه بالتحديث من أجل مواجهة التهديدات الحديثة، والمتمثلة ليس في الإرهاب الدولي فحسب، وإنما أيضاً الهجمات ضد أمن الانترنت والطاقة.

الأمر اللافت للنظر أن أعضاء «ناتو» يبدو أنهم متفقون على إنشاء درع صاروخية دفاعية للحماية من الصواريخ الباليستية. فهناك أكثر من 30 دولة تمتلك هذه التكنولوجيا. في الوقت نفسه، لقنت الحرب في أفغانستان قوات التحالف درساً مفاده أن التهديدات ضد الداخل يمكن أن تتمركز في المناطق النائية.

يستعد «ناتو» للاعتراف رسمياً بأنه بحاجة إلى أن يكون قادراً على نشر قواته سريعاً في تلك المناطق، وتدريب القوات المحلية هناك، والتزود بالأدوات المدنية، والدخول في شراكات مع بلدان أخرى، لا سيما روسيا.

ومسألة ما إذا كانت الحرب في أفغانستان التي طالت تسع سنوات سوف تثبط أي غارات أخرى في المستقبل تعد أمراً آخر. وفي لشبونة، تركز اهتمام قادة التحالف إلى الاتفاق على تحديد 2014 كعام مستهدف لتسليم مهام الأمن في الداخلية إلى الأفغان.

وحتى مع موافقة رؤساء دول «ناتو» على اعتماد مهمة موسعة جديدة فإن المشكلات القديمة ستظل مواكبة لهم. وكما كان الوضع من قبل، فإن أعضاء التحالف لديهم أولويات وظروف مختلفة. وهذا سوف يجعل تنفيذ النسخة الثالثة من «ناتو» تحدياً، على أقل تقدير. تسعى تركيا إلى تخفيف حدة التعامل مع إيران، على سبيل المثال، بينما ينتاب دول جنوب أوروبا القلق إزاء موجة الهجرة من افريقيا. أما النرويجيون فهم قلقون بشأن مراقبة ظاهرة ذوبان الجليد في المنطقة القطبية الشمالية، في حين تخشى دول البلطيق من روسيا.

ودار كثير من النقاش حول دعوة قادة دول «ناتو» روسيا للمشاركة في الدرع الدفاعي الصاروخي . وحول ما إذا كانت روسيا سوف تنضم في نهاية المطاف إلى هذا المشروع، وهو أمر لا يزال أمراً غير مؤكد، تظل الشكوك في موسكو حول الغرض من الانضمام للدرع الصاروخية، بينما يخشى بعض أعضاء التحالف من أن «ناتو» سوف يُذعن لمعتدٍ.

في الوقت نفسه، من سيدفع من أجل تشكيل تحالف حديث عندما سيخفض مساهمون أساسيون، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من الإنفاق الدفاعي؟ وكما هو معتاد، يريد الأميركيون رؤية المزيد من المشاركة في تحمل العبء من أصدقائهم في التحالف، حتى في الوقت الذي يتشكك بعض أعضاء الكونغرس في مسألة الحاجة إلى نشر قوات أميركية في أوروبا.

ينبغي أن يلقى «ناتو» إشادة على إعادة الاكتشاف نظرياً. والسؤال هو ما إذا كان التقشف سوف يحد من قدرات النسخة الوليدة ل«ناتو». من المؤكد أنه لا يجب أن يسمح بحدوث ذلك.

صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركية