تدور على الساحة الدولية منافسة حادة في أسواق الطاقة، وبعد عقود طويلة من الصراعات في أسواق النفط، والتي اشتعلت بسببها العديد من الحروب والصدامات والخلافات الحادة بين الدول، ومع الصراعات المشتعلة والمتصاعدة في أسواق الغاز وظهور تكتلات عالمية جديدة تسعى لاحتكار سوق الغاز العالمي، تبرز على الساحة بوادر ومؤشرات صراعات قوية قادة في سوق الطاقة النووية، هذه السوق التي يتوقع لها الخبراء والمراقبون أن تحل محل أسواق النفط في المستقبل المنظور مع تراجع احتياطيات النفط العالمية بسبب زيادة الاستهلاك.

ورغم تصدر روسيا لسوق الغاز العالمي، واحتلالها مكانة متقدمة في سوق النفط العالمية، إلا أنها على ما يبدو تطمح للريادة في سوق الطاقة النووية، خاصة وأنها تملك من الإمكانيات الكثير مما يؤهلها بجدارة لاحتلال هذه المكانة، سواء من حيث تقدم صناعة تقنيات الطاقة النووية الروسية، وأيضا وفرة الوقود النووي.

وكذلك انخفاض التكلفة كعنصر أسياسي في المنافسة في السوق العالمية، ولا يبقى لروسيا لاحتلال الصدارة في سوق الطاقة النووية في العالم سوى حسن نية المنافسين الآخرين وعدم تدخل العوامل السياسية في الضغط على الدول لحملها على عدم اللجوء للتكنولوجيا النووية الروسية.

وهذا أمر هام للغاية تبذل فيه روسيا جهودا كبيرة، وربما يكون موقفها المتشدد من البرنامج النووي الإيراني وموافقتها على تشديد العقوبات على إيران، يعكس بوضوح سعي موسكو للتقارب من الغرب حتى لا يعوق توغلها في أسواق الطاقة النووية في البلدان ألأخرى.

لقد أصبحت مؤسسة الطاقة الذرية الروسية «روس آتوم» خلال خمسة أعوام اللاعب الأكبر في السوق الدولية لبناء المحطات الكهرذرية وتقديم الخدمات لسوق الوقود النووي. إذ تقوم هذه المؤسسة الروسية اليوم بأعمال البناء وفق 117 اتفاقية حكومية، تم إبرامها مع الجهات الروسية والأجنبية. وتقع حوالي 50 دولة في نطاق دائرة مصالح «روس آتوم» واهتماماتها.

في العام 2006 خطت الوكالة الروسية للطاقة الذرية أولى خطواتها على طريق التحول إلى مؤسسة متخصصة قابضة مملوكة للدولة أطلق عليها «روس آتوم». في تلك الآونة أدرك العديد من شركات الطاقة النووية المتعددة الجنسيات في العالم أن هناك بوادر «نهضة نووية».

فبدأت عملية التحول إلى شركات قابضة عملاقة، لكن إلى يومنا هذا وحدها «روس آتوم» هي التي تمكنت من أن تجمع تحت سيطرتها بشكل كامل التكنولوجيات والكفاءات والصلاحيات للريادة في هذه السوق العالمية الواعدة، إذ يتبع لهذه المؤسسة الروسية القابضة اليوم العديد من المصانع النووية بما في ذلك المتخصصة في إنتاج الآليات والمعدات الخاصة بهذا الفرع الاقتصادي.

كما تمكنت «روس آتوم» من أن تضم إلى مجال نفوذها الأسطول الروسي من كاسحات الجليد الذرية، هذه الكاسحات التي تحتاج إليها كافة دول الشمال الملاصقة في حدودها للقطب الشمالي، بينما تحتكر روسيا حتى الآن إنتاج هذه الكاسحات العالية التكلفة في بنائها، ولا تقوى ميزانيات دول الشمال على تحملها، بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا.

وخلال السنوات الخمس الماضية أنهى خبراء المؤسسة الروسية من المهندسين والفنيين المهرة ذوي الخبرات الغنية العمل على بناء أربعة مفاعلات نووية لمحطات كهرذرية، ثلاثة منها خارج روسيا.

في العام 2007 تم تسليم مفاعلي محطة «تيان فانغ» في الصين، وفي العام 2010 تم الانتهاء من بناء محطة «بوشهر» الإيرانية (ذات مفاعل واحد). أما داخل روسيا فقد تم إدخال حيز التشغيل المفاعل الثاني لمحطة «روستوفسكايا» الكهرذرية. وللمقارنة فإنه خلال السنوات ال13 السابقة (من العام 1991 إلى العام 2004) لم تتمكن روسيا من بناء سوى 3 مفاعلات فقط.

ويجري حاليا تحضير الإطلاق الفيزيائي في العام 2011 للمفاعل الأول لمحطة «كودانكولام» الكهرذرية في الهند، والمفاعل الرابع لمحطة «كالينينسكايا» في روسيا. وإضافة إلى المحطات الكهرذرية التقليدية تبني روسيا أول محطة كهرذرية عائمة في العالم، وقد جرى إنزال هيكل المفاعل العائم إلى الماء في 30 يونيو 2010.

وبفضل شراء شركة «روس آتوم» في العام 2009 لنحو عشرين بالمائة من أسهم شركة اليورانيوم الكندية ص1 بلغت الزيادة في احتياطي المؤسسة الروسية من اليورانيوم الخام 42 ألف طن. وبحلول نهاية العام الحالي من المتوقع إغلاق هذه الصفقة بالكامل والاستحواذ على الحصة المهيمنة من أسهم ص1 ما يسمح للمؤسسة الروسية بزيادة احتياطيها من اليورانيوم الخام بمقدار 112 ألف طن.

وخلال الفترة من 2005 إلى 2009 نما حجم استخراج اليورانيوم من قبل الشركات المختصة التابعة لمؤسسة «روس آتوم» بنسبة 7, 43% ليصل إلى 6, 4 آلاف طن، فيما ارتفع حجم احتياطي اليورانيوم الطبيعي لدى المؤسسة أكثر من 4 أضعاف. وتبلغ الاحتياطات المؤكدة لمؤسسة «روس آتوم» من اليورانيوم الخام حاليا حوالي 616 ألف طن.

كما اتسع نطاق مشاركة المؤسسة في مشاريع اليورانيوم في الدول الأجنبية بشكل ملحوظ، إذ ظهرت أصول «روس آتوم» بالإضافة إلى كازاخستان في أستراليا وكندا وناميبيا وحتى في الولايات المتحدة. وتجري المؤسسة في الوقت الحاضر أعمال التنقيب في أرمينيا ومنغوليا.

وقد وصلت القيمة الإجمالية للعقود الموجودة في «حقيبة» المؤسسة لتنفيذ طلبيات الزبائن إلى حوالي 20 مليار دولار أميركي، فيما تجاوز حجم صادراتها السنوي 1, 2 مليار دولار.

يبقى فقط من أجل الريادة الروسية لسوق الطاقة النووية العالمية أن يتعامل المنافسون معها بحسن نية وأن يتجنبوا العوامل السياسية في الضغط على الدول الأخرى لتمتنع عن التعامل مع التكنولوجيا النووية الروسية.

كاتب أوكراني

vvladi1949@mail.ru